فهرس الكتاب

الصفحة 15607 من 23694

يقول ابن رشد: [إن الحكماء من الفلاسفة لا يجوز عندهم التكلم ولا الجدال في مبادئ الشريعة وذلك لأنه لماكانت كل صناعة لها مبادئ، وواجب على الناظر في تلك الصناعة أن يسلم بمبادئها ولا يتعرض لها بنفي ولا إبطال، كانت الصناعة العملية الشرعية أحرى بذلك] (26) .

وعلى الرغم من استقلالية كل من الدين والفلسفة أحدهما عن الآخر، إلا أن الدين يجب أن يدرس في حقله الخاص بالمنهج العقلي، وهو المنهج نفسه الذي تدرس به الفلسفة، ويحاول ابن رشد في تآليفه الخاصة (كتبه الأربعة) أن يضبط العلاقة بين الدين والفلسفة بحسب ناظمين ثابتين وهما: إن الحق لا يناقض الحق، والحكمة هي الأخت الرضيعة للشريعة، وإنهما يلتقيان في الهدف وهو الوصول إلى الحقيقة المطلقة، ولهذا لا يجوز عند ابن رشد تحريم الفلسفة باسم الدين ولا مهاجمة الدين باسم الفلسفة لأن مثل هذا الرأي، كما يقول ابن رشد: [هو إما رأي مبتدع في الشريعة لا من أصلها وإما رأي خطأ في الحكمة أعني تأويل خطأ عليها.] (27)

والسؤال الآن ماذا كان يريد ابن رشد من كل هذا الجهد الفكري الذي بذله من أجل إثبات مكانة الفلسفة ثم الإصرار الشديد على ضرورة فصلها عن الدين، ثم إخضاع الشريعة لمنهجها العقلي؟.

الجواب فيما افترض هو: إذا قلنا إن جملة العلوم الاجتماعية وعلى رأسها علم السياسة، وقيادة المجتمع هي كلها ضمن إطار الفلسفة، وإذا بنينا الحكم على قوله بضرورة فصل الدين عن الفلسفة وتابعنا الاستنتاج المنطقي إلى نهايته، أمكننا القول: إن ابن رشد كان يميل إلى ضرورة فصل الدين عن الدولة. وبنى هذا الاستنتاج على جملة قضايا.

أولها: أثر ابن رشد في فلاسفة اللاتين المسيحيين وبعدهم في فلسفة عصر النهضة الذين ناضلوا لفصل الدين عن الدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت