ويجمع الباحثون من كل الاتجاهات على إبراز الدور الكبير الذي لعبته فلسفة (ابن رشد) في خلق واحد من أهم تيارات الفلسفة في العصور الوسطى هو تيار (الرشدية اللاتينية) ومن المعروف أن هذا التيار قد لعب دورًا كبيرًا في التمهيد لعصر النهضة في أوروبا الذي كان بمثابة القاعدة التي انطلق منها كل التقدم الأوروبي اللاحق. وهكذا أفادت أوروبا من الرشدية إلى أبعد حد ممكن، بينما لم تتسع لها، صدور العرب ولا أوطانهم. فلم تزل هذه الفلسفة، حتى اليوم في البيئة العربية، تواجه بالشك والريبة من جانب كل التيارات المحافظة في الثقافة العربية المعاصرة.
ومن المؤكد أن أثمن ما في فلسفة (ابن رشد) هو نزوعها العقلاني، ومن المؤكد أيضًا أن هذه العقلانية الرشدية أرسطية في جذورها وفي نتائجها وأهدافها. إذ يظل مصير الفلسفة، أي فلسفة -من حيث هي نشاط متميز- مرتبطًا بالبحث عن نوع من العقلانية التي لا تبرر الوجود فحسب، وإنما هي أولًا وبالذات تستهدف تبرير وجود الفيلسوف نفسه، أو تتطلع إلى تبرير كون الفيلسوف كائنًا عاقلًا، أي إنها تبرر مشروعية العقل ذاته بوصفه فاعلية معقولة في كل خطواتها.