وإذن فهذا الجانب من العقلانية الرشدية متطابق مع (الكلي) ، مع نشاط الفلسفة بوصفها تنطوي على بعض الخصائص الماهوية التي حيثما وجدت الفلسفة وجدت هذه الخصائص ملازمة لها، ذلك لأن النشاط الفلسفي لا يكون كذلك إلا بها. ومن هذه الزاوية فكلنا (رشديون) أو (أرسطيون) لا فرق، طالما أن الفلسفة تضطلع بأداء دور (الكلي) في ذهن هذا الفيلسوف أو ذاك من ناحية، وطالما أنها من ناحية أخرى، تتحول إلى جهد للارتقاء بالعالم إلى مستوى (الكلية) ، أعني العالم الذي يعيش فيه الفيلسوف، العالم التاريخي بما ينطوي عليه من صراع بين الأفراد والجماعات والأفكار، ذلك أن هذا المسعى الذي يقوم به الفيلسوف للارتقاء بالعالم إلى مستوى الذهن أو العقل، من خلال مجموع الوساطات التي تفعل فعلها في تحقيق التطابق بين الفكر والواقع أو العقل والوجود، إنما تستهدف جعل (المعقولية) متغلغلة في صميم الواقع الذي هو غير معقول من حيث المبدأ.
لقد عاش (ابن رشد) محنة المثقف العربي المعاصر، أو أن المثقف العربي المعاصر اليوم يعيش الخبرة نفسها التي عاشها (ابن رشد) فكلاهما يخلو تراثه من الإسهامات الفلسفية الجدية، وكلاهما يعيش في ظل ثقافة قومية لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المفكر على نفسه، الأمر الذي يجعله يشرئب ببصره نحو الثقافات الأخرى لتكون رفدًا ومعينًا في ما تنطوي عليه من مقولات تخلو من ثقافتنا القومية الراهنة، وثقافتنا التراثية السالفة، هذه المقولات التي قد يجد فيها المفكر ما ييسر له طرح الأسئلة بصورة أفضل، مما يخلق الاحتمالات بتقديم إجابات ما كان يمكن تقديمها فيها لو تجاهل المفكر العربي اليوم ثقافة الغرب الراهنة، وفيما لو تجاهل المفكر، داخل الأفق التراثي القديم، الثقافة اليونانية وغيرها من الثقافات التي كانت سائدة ومنتشرة ومعترفًا بخصوبتها في تلك الأيام.