ونجد اليوم العدد الأكبر من المثقفين العرب المعاصرين حائرًا بين الأصالة والمعاصرة، فنرى البعض يقدم الأصالة على المعاصرة، بينما يقدم غيره المعاصرة على الأصالة، في حين أننا نجد فريقًا ثالثًا يقيم نوعًا من التجاور الميكانيكي بينهما، وفي معظم الحالات فإن كل مفكر يعيد إدخال ما نفاه من الحدود خلسة، أو ينكر -بصورة شعورية أو لا شعورية- ما أثبته، لكي تظل العلاقة في النهاية علاقة غير محددة، وربما ظلت الترابطات كلها زائفة، لا سيما وأن الوعي التاريخي يكون غائبًا في كثير من التحليلات، فضلًا عن الخوف من العامة الذين يتعرض المفكر بسببهم لأخطار جدية. وبالمثل كان (ابن رشد) ذا ثقافة مزدوجة، فهو فقيه وقاض للقضاة في قرطبة. فهو من أعلم رجال العصر في الإسلام من حيث هو شريعة وعقيدة، وهو أيضًا فيلسوف مثقف بالثقافة (اليونانية) بصفة عامة وبالثقافة (الأرسطية) بصفة خاصة. وهو يحمل الفلسفة (الأرسطية) على محمل الجد تمامًا. إنه مقتنع بأن (الأرسطية) قد طرحت الأسئلة الأكثر جوهرية في الفلسفة، وهو مقتنع أيضًا بأنها أعطت الإجابات الصحيحة التي بوسع العقل البشري أن يتوصل إليها. وانطلاقًا من هذا الإيمان لخص بعض كتب (أرسطو) ، وخص بعضها بالشرح، حتى إنه جعل لبعضها شرحًا أكبر وأوسط وأصغر. لقد كان (ابن رشد) يرى أن جانبًا من مهمته ورسالته الفلسفية تتمثل في تنقية (الأرسطية) مما ألحقه بها بعض شراحها من الغموض والالتباس. ولقد صنف شروحاته وتلخيصاته انطلاقًا من هذه الروح أصلًا.