فهرس الكتاب

الصفحة 15622 من 23694

ولو افترضنا أن (ابن رشد) كان ينظر إلى الشريعة والفلسفة على أن كلتيهما حق، فقد كان مضطرًا لالتماس نوع من السلطة التي يقيم عليها صفة الحق فيهما معًا. أو هو على الأقل كان محتاجًا إلى نقطة يستطيع ابتداء منها أن يقنع معاصريه بأنه لا يضحي بإحدى الحقيقتين لحساب الأخرى. والأمر ها هنا يتعدى مجرد التوفيق بين الشريعة والحكمة إلى النقطة التي يستند إليها تبرير ابن رشد لكون العنصرين كليهما حق. ولقد كان هذا التبرير مضطرًا لأن يضع في حسابه كون الشريعة إلهية وكون الفلسفة أو الحكمة بشرية إنسانية، وإلا لما استطاع أن يكون مقنعًا لمعاصريه ولكثير منا نحن المعاصرين اليوم ولذا من الطبيعي أن تكون المبررات التي يسوقها (ابن رشد) لكون الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له" (1) مستمدة من داخل الشريعة بسبب كونها هي التراث المباشر له أولًا، وثانيًا وبسبب الحاجة إلى إقناع المعاصرين له الذين لا يمكن إقناعهم ما لم تكن نقطة ابتدائه مستمدة من الشريعة ذاتها. غير أن الفلسفة (الأرسطية) قد بدت لـ (ابن رشد) متمتعة بيقين لا يقل عن اليقين الذي تتمتع به الشريعة في قلب المؤمن. ومن هنا ظهر تنازع حول النقطة التي يجب أن تكون (السلطة) مستندة إليها في تبرير ما عداها. هل تكون الشريعة هي النقطة التي يستند إليها (ابن رشد) في تبرير الفلسفة أو الحكمة، أم إن الحكمة هي التي يجب أن تستمد منها ما يجعل الشريعة معقولة ومفهومة بالقياس إلى الحكمة أو الفلسفة؟ وبعبارة أخرى، ما مصدر المعقولية، أو العقل، أهو الشرع؟"

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تمكننا من تحديد طبيعة (السلطة) عند (ابن رشد) فـ (السلطة) ها هنا لا تشير إلى نوع من القوة أو النشاط السياسي، وإنما هي تشير حصرًا إلى مصدر المعقولية فـ (السلطة) ها هنا مشكلة فلسفية معرفية أولًا وقبل كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت