فهرس الكتاب
والواقع أن الشريعة الإسلامية تستمد قيمتها من كونها دعت الناس إلى الحق من هذه الطرق الثلاث، وذلك لأنها شاملة لكل فطرة وجبلة، بحيث تجد كل فطرة أو جبلة طريقتها الخاصة في التصديق والاعتقاد في هذه الشريعة. ولذلك يقول (ابن رشد) :"وذلك أنه لما كانت شريعتنا هذه الإلهية قد دعت الناس من هذه الطرق الثلاث عمّ التصديق بها كل إنسان، إلا من جحدها عنادًا بلسانه، أو لم تتقرر عنده طرق الدعاء فيها إلى الله لإغفاله ذلك من نفسه. ولذلك خُص عليه السلام بالبعث إلى الأحمر والأسود، أعني لتضمن شريعته طرق الدعاء إلى الله تعالى. وذلك صريح في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل 125 (14) ."
وهذا يعني أن مصدر الكلية ليس قائمًا في الشريعة، وإنما هي ذاتها تستند إلى الكلية القائمة خارجها وهي كلية الحقيقة التي أقامت عليها الشريعة طرق الدعاء إلى الله تعالى ولما كانت هذه الطرق هي ذاتها التي عرفتها الفلسفة أو الحكمة قبل ورود الشرع بها، كانت الحكمة أو الفلسفة هي مصدر الكلية التي يستند الشرع في حكمه على الحقيقة وفي الخضوع لها إلى هذه الكلية أو إلى هذه الحقيقة القائمة خارج الشريعة ذاتها. وهكذا تصبح الفلسفة هي الأصل والشريعة الفرع، أو تكون الشريعة هي تطبيق -بينما تكون الفلسفة هي التنظير، ومن ثم يكون العقل هو المستقبل والشرع هو التابع. وبذلك تكون (السلطة) الأولى عند (ابن رشد) هي (سلطة) العقل التي لا تنفصل عن (سلطة) المعرفة و (سلطة) الحقيقة.