فهرس الكتاب

الصفحة 15638 من 23694

وعلى ذلك يمكننا تصنيف (السلطة) - من حيث المبدأ عند (ابن رشد) - إلى ثلاثة أنواع، أو يمكن إدراج (السلطة) بحسب هذه الضروب في ثلاث درجات صعودًا أو هبوطًا. وهذا التصنيف لدرجات (السلطة) يستند إلى أساسين، أحدهما أنطولوجي والآخر منطقي معرفي، كما قلنا، أي ابتداء من العامة وهم أكثر الجمهور وطريقة تفكيرهم خطابية؛ ثم خاصة الجمهور -إن جاز التعبير- وهم علماء الكلام أو المتكلمون، وطريقتهم في التفكير جدلية؛ ثم تأتي قمة الهرم حيث الأقلية والصفوة وهو العلماء أو الخاصة، وطريقة تفكيرهم برهانية تأويلية، فهم ينفردون بالمنهج البرهاني في المعرفة والتدليل، ويمتازون بأن من حقهم تأويل ظاهر الشرع إذا ما بدا لهم أن هناك تناقضًا بين البرهان وظاهر الشرع.

وهذا التصنيف للـ (السلطة) القائم على تفاضل الفطر والجبلات يستند في الحقيقة إلى إيمان كل مسلم بأن الشريعة الإسلامية شريعة صادقة حقيقية إلهية تؤدي بكل مسلم إلى المعرفة باللّه وبمخلوقاته، وأن ذلك -في نظر (ابن رشد) -"متقرر عند كل مسلم من الطريق التي اقتضتها جبلّته وطبيعته من التصديق. وذلك أن طباع، الناس متفاضلة في التصديق: فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية (13) . ومن ذلك يتضح أن الشريعة لا تقرر طرق التصديق التي ينتهي إلى اليقين بفضلها هذا الإنسان أو ذاك، وإنما هي تصف هذه الطرق وتبينها على سبيل الوصف والإبانة، فتكون الشريعة بذلك متبعة لماهيات الأشياء وليست واضعة لهذه الماهيات، ويكون بذلك للحقائق نوع من الاستقلال عن الشريعة، بل تكون الشريعة تابعة لهذه الحقائق متبعة لها ومقرة لها، مؤكدة أن وجه اليقين آت من اتباع الشريعة للماهيات وليس العكس."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت