فهرس الكتاب
ويعرف (ابن رشد) الجمهور -وهو يضم العامة وعلماء الكلام- بأنه"كل من لم يعنَ بالصنائع البرهانية، وسواء كان حصلت له صنعة الكلام أم لم تحصل له. فإنه ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على هذا القدر من المعرفة إذ أغنى مراتب صناعة الكلام، أن يكون حكمة جدلية لا برهانية. وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا. فقد تبين من هذا القول القدر الذي صرح به للجمهور من المعرفة في هذا، والطرق التي سلكت بهم في ذلك" (9) .
وأما الخواص أو الخاصة، في مقابل العامة، فهم عند (ابن رشد) "العلماء" (10) ، أي أهل البرهان الذين هم أهل الفلسفة والحكمة على وجه الحصر. والفارق -في نظر (ابن رشد) بين معرفة الجمهور ومعرفة الخاصة أو العلماء هو"أن الجمهور يقتصرون.. على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس وأما العلماء فيزيدون على ما يدرك من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان."
.. والعلماء ليس يفضلون الجمهور.. من قبل الكثرة فقط، بل من قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه، فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعتها، فإنهم إنما يعرفون أمرها أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعًا موجدًا. ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عندهم علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة فيها. ولا شك أن من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصنائع، من جهة ما هو صانع، من الذي لا يعرف من ذلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط" (11) ."
ويمضي (ابن رشد) إلى ما هو أبعد من ذلك عندما يحدد مفهوم العلم كما يراه في حق الجمهور في مقابل مفهوم العلم من حق العلماء والخاصة فيقول:"فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل. فما كان أنفع في العمل فهو أجدر. وأما المقصود بالعلم في حق العلماء، فهو الأمران جميعًا، أعني العلم والعمل" (12) .