فهرس الكتاب
والواقع أن (ابن رشد) كان يستشعر خوفًا لا حد له من الجمهور أو العامة، وذلك راجع إلى سرعة تأثر الجمهور بتحريض الفقهاء له، وخاصة إذا ما قيل له عن الفلاسفة بأنهم ملحدون زنادقة. ولعل هذا ما دفع (ابن رشد) إلى أن يضع نوعًا من المنطق أو المعايير المحددة لتعريف العامة -الذين هم جزء من الجمهور -وذلك فيما يبدو بقصد إضعاف أثر الفقهاء والمتكلمين على العامة أكثر منه بقصد احتقارهم والحط من شأنهم. أما العلماء، فهم في نظره الفلاسفة والحكماء أو أهل البرهان ومن في حكمهم.
والحقيقة أن (ابن رشد) يقيم نوعًا من التراتبية السياسية مستندة إلى قاعدة ثقافية على أساسين متباينين: أولهما هو التفاضل في الفطرة والجبلّة بين الناس، ومن الممكن النظر إلى ذلك على أنه نوع من الأساس الأنطولوجي للتفاضل فيما بين البشر. والثاني يستند إلى تقسيم صور الخطاب المختلفة في القرآن أوالشريعة بالاستناد إلى أن هناك تطابقًا بين كل صورة من صور الفطرة والجبلّة وبين صورة خطاب محدد تكون مطابقة لها. يقول (ابن رشد) "الناس في الشريعة ثلاثة أصناف: صنف ليس هو من أهل التأويل أصلًا وهم الخطابيون (5) الذين هم الجمهور الغالب. وذلك أنه ليس يوجد أحد سليم العقل يعرى من هذا النوع من التصديق. وصنف هو من أهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون (6) بالطبع فقط، أو بالطبع والعادة. وصنف هو من أهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون (7) بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة" (8) . وبذلك تكون صحة البرهان الرشدي أو مقدرته على الإقناع مستمدة من هذين العنصرين، وبالتالي فإن أي شك فيهما أو إضعاف لأحدهما قد يؤدي إلى إبطال الحجة بأكملها، ومن ثم إلى انهيار تصوره للسلطة القائم على هذين الافتراضين، وخاصة إذا ما أثبت المرء لـ (ابن رشد) أن مقدماته هذه ليست مقدمات برهانية بل هي مقدمات خطابية تمامًا.