فهرس الكتاب

الصفحة 15635 من 23694

وواضح أن الحل الرشدي حل غير ممكن أو متعذر تمامًا: ذلك لأنه يتطلب العودة إلى ما قبل ظهور المشكلة، أو هو يريد أن يفترض أن المشكلة لم تكن، وهذا أمر مستحيل بالطبع. إنه يريد أن يقلب حركة الزمان تمامًا، فيعود بالثمرة ليدفنها في البذرة! لقد تحقق (الوعي الجمهوري) ولم يعد من الممكن السيطرة عليه. صحيح أن (الوعي الجمهوري) كان ما يزال وعيًا بسيطًا ساذجًا يمكن توجيهه واستغلاله من قبل الفئات التي احتكرت السلطة تقليديًا في المجتمع الإسلامي. غير أن الأمر المؤكد هو أن وعيًا من نوع ما قد ولد في الجمهور. وهذا الوعي هو الإشارة الأولى العميقة في التاريخ الإسلامي إلى أن (الإنسان العادي) قد وعى أن من حقه أن يكون ذا رأي في أمور حياته ومعاده. إنه الميل الفطري إلى الحرية وإلى الترجمة عنها في نوع الممارسة الديمقراطية. غير أن المناقشات الفقهية والكلامية والفلسفية جعلت ممارسة هذا الحق في التعبير عن الذات للأكثرية حقًا مغتربًا عن الذات، أعني أن المطالب الجوهرية والحقوق الإنسانية الأساسية قد اختفت وراء مصطلحات الفقه والفلسفة والكلام، وظن الناس من ثم أن النزاع إنما يدور حول هذه المسائل، في حين أنه كان يدور في الحقيقة على مسائل غيرها. ولكن الأقنعة قد غطت المشاكل الحقيقية وحجبتها بكل الحجب اللازمة من الفقه والكلام والفلسفة والتصوف، فغابت بذلك المشكلات الأساسية للإنسان في هذه الحضارة، وعلى رأسها قضية التعبير الحر عن الذات. وقد اكتمل هذا الحجاب بذلك التحالف الذي كان قائمًا دومًا بين أكثر فئات المثقفين فاعلية، أعني الفقهاء، وبين السلطة السياسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت