لابد من الإشارة إلى أن دفاع ابن رشد عن الفلسفة، وإطلاق يدها في تأويل الشرع ليطابق ما أدى إليه البرهان، لا يعني أن ما لم يدركه البرهان من الشرع يرفض أو يوضع جانبًا أو يشكك به. إن على الفلسفة، يقول ابن رشد، أن"تفحص عن كل ما جاء في الشرع، فإن أدركته استوى الإدراكان، وكان ذلك أتم في المعرفة. وإن لم تدركه أعلمت بقصور العقل الإنساني عنه، وإن مدركه الشرع فقط" (66) . إن الحكماء من الفلاسفة، بحسب ابن رشد، لا يجوز عندهم التكلم أو الجدل في مبادئ الشرائع، وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد."يجب على كل إنسان أن يسلم مبادئ الشريعة، وأن يقلد فيها، ولابد، الواضع لها. فإن جحدها والمناظرة فيها مبطل لوجود الإنسان، ولذلك وجب قتل الزنادقة" (67) . إذن يجب التسليم بهذه المبادئ، مبادئ الشريعة ومبادئ العمل، كلها يجب أن تؤخذ تقليدًا، لأنها"أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية، فلا بد أن يعترف بها، مع جهل أسبابها. ولذلك لا نجد أحدًا من القدماء تكلم في المعجزات، مع انتشارها وظهورها في العالم، لأنها مبادئ تثبيت الشرائع، والشرائع مبادئ الفضائل" (68) .
بعد هذه الجولة في مسرح عمليات العقل الرشدي، يمكننا أن نستخلص الأمور التالية:
-لقد دافع ابن رشد عن حق الفلسفة بالوجود على ساحتنا الثقافية، وكرّس القسم الأكبر من حياته في العمل على إدخال الثقافة الفلسفية اليونانية إلى حياتنا الفكرية.
-تسجل لابن رشد إجادته في بناء المطابقة بين الفلسفة والشرع الإسلامي. لقد تمحور القسم الأكبر من جهود العقل الرشدي حول هذه المسألة، وهو بذلك قد خدم الفلسفة والشريعة معًا، مع الإشارة إلى أن هذه المطابقة احتفظت للشريعة بممتلكات خاصة يحظر على العقل الفلسفي اقتحامها.