فالأسباب الذاتية عند ابن رشد لا يفهم الموجود إلا بفهمهما واعتبرها مساوية لهوية الشيء، فلو لم يكن لموجود فعل يخصه لم يكن له طبيعة تخصه ولا اسم يخصه ولا حد. وأكد ابن رشد أن السبب الغائي هو سبب الأسباب، أو المبدأ الأول الذي هو الله، والذي بفضل عنايته تنتظم الحركة اليومية للظواهر وتتواصل باستمرار.
يهدف هذا البحث إلى إبراز مفهوم السببية عند ابن رشد وخاصة من خلال الصراع الذي دار بينه وبين الغزالي حولها، وكان كل منهما يمثل نهجًا مختلفًا عن الآخر.
لكن مقولة السببية لا يمكن عزلها عن البناء الفلسفي عند ابن رشد في سياق إطار عصره التاريخي والمعرفي المحدد.
ويواجهنا هنا عدد من الإشكاليات والأسئلة التي لا يتسع المقام لعرضها باستفاضة لكننا نشير إلى أبرزها، فقد ذهب البعض إلى القول بعدم وجود فلسفة إسلامية، لكونها لم تكن فلسفة خالصة على غرار الفلسفة العقلية اليونانية، بل مزجت بين الفلسفة والدين، لذا فهناك تفكير فلسفي إسلامي وليس فلسفة إسلامية، والبعض الآخر لا يرى ضرورة في الحكم على الفلسفة الإسلامية وغيرها بناء على توصيف النموذج اليوناني وحده للفلسفة.
لقد أثارت إشكالية تداخل البناء المعرفي مع القصيدة (العقل والنقل) الكثير من الجدل والأسئلة والاستنتاجات والإجابات، وثمة من يذهب إلى القول بأن ابن رشد وغيره كان مضطرًا إلى استخدام الغطاء الشرعي الديني لتضمين أفكاره الفلسفية في بيئة فكرية يسودها التعصب الديني، وإن ابن رشد دعا عمليًا إلى تعارض العقل والنقل تحت ستار القول باتصال الحكمة والشريعة. أي قال بالانفصال بدل الاتصال، وما زالت فلسفة ابن رشد على سبيل المثال تثير العديد من الإشكاليات والأسئلة والتفسيرات إلى يومنا هذا.