إن نقدنا لمفهوم السببية عند ابن رشد ينبغي ألا يغفل الظروف التاريخية والضغوط التي واجهها في عصره، وحيث لم يكن من المتاح في مستوى التطور العلمي والفلسفي القائم آنذاك طرح مفهوم السببية كما نطرحه في عصرنا الراهن.
وسنقتصر على إبداء بعض الملاحظات في هذا المجال:
-رغم مادية ابن رشد الواضحة، ونهجه العقلي التحليلي النقدي في الرد على مقولة السببية لدى الغزالي، فإنه وقف عند خصائص وطبائع الأشياء في ذاتها والتي شكلت خطوة متقدمة في عصره، فإن المفهوم العلمي لا ينظر إلى الأشياء باعتبارها تامة الصنع مزودة بخصائص ثابتة نهائية هي مصدر السببية في العالم، بل إن الأشياء والموجودات والعالم كله ليس سوى سلسلة من العمليات القائمة على التغيير والحركة الدائمة، وإن يكن هذا لا يمنع بل يفترض أن يكون هناك ثبات نسبي وخصائص معينة لهذه العمليات، لا للأشياء في ذاتها باعتبارها عوالم منعزلة لكنها مع هذا دائمة التحول وقابلة للتغير والتحويل إلى بعضها عن طريق التطبيق العملي والعلمي. فمثلًا النار ليست جسمًا وليست شيئًا له خاصية الإحراق، بل هي حالة تصل إليها المادة بعد درجة حرارة معينة وهي تؤثر فيما حولها من عمليات بطرق مختلفة، فهي ترفع درجة حرارة الماء، وعند درجة معينة تحوله إلى بخار، كما أنها من الممكن أن تصهر بعض المعادن إلى آخر ما هنالك من تفاعلات يمكن أن يؤدي إليها تبادل التأثير.