فهرس الكتاب

الصفحة 15680 من 23694

إن تصور الغزالي هذا من شأنه أن يفقد الفلسفة والعلم كل دعامة أو قيمة يقينية عملية ويفضي إلى إنكار وجود القوانين الموضوعية والقول بالفوضى وعدم النظام والثبات، حيث لا يبقى أمام الإنسان في النهاية سوى الاستسلام العاجز لمشيئة الله والتي صورها الغزالي أشبه ما تكون بالعبث منها بأي شيء آخر يدل على الحكمة. بينما من صفات الفاعل الخالق كما يقول ابن رشد الثبات والحكمة لا العبث والتلاعب.

إن المنجزات العلمية والحضارية والفلسفية العظيمة التي قدمها العرب ما كانت لتقوم لولا أن علماء وفلاسفة العرب أنكروا مبدأ السببية المادية والذي يتيح لنا إمكانية معرفة الأشياء والظواهر والتأثير فيها، ولا يمكننا أن نتصور تقدم العلم مع إنكارنا معرفة الأسباب.

وتتميز السببية عند ابن رشد بأهمية خاصة في مجال التجربة والتطبيق العملي، فمعرفة العلل عنده لا تنحصر بمجرد معرفة الظواهر واستنتاج الروابط والعلاقات السببية، بل إن للتطبيق العملي دوره في اكتشاف العلة والتحقق منها من خلال تدخل العمل الإنساني لاستحداث أشياء أو لعلاج عوارض الأمراض، فالمعرفة النظرية بمبادئ علم وظائف الأعضاء والتشريح والأمراض المختلفة لا تكفي لعلاج أي مرض إذ لابد من التدخل بالعقاقير أو الجراحة من أجل الشفاء. وهنا يصبح التطبيق في هذا المجال وسيلة ضرورية لمعرفة العلل والتحقق التجريبي من صحتها.

لقد أكد ابن رشد أكثر من أرسطو على الجانب التطبيقي في مفهوم العلية، بينما العلّية عند أرسطو نابعة من طبيعة العلاقة بين الهيولى والصورة، فابن رشد لم يضع مسبقًا المقدمات أو الافتراضات لكي يأتي بعد ذلك بفلسفة تنسجم معها، فهو علم على حدّ تعبيره وضع مرحلة العمل سابقة على مرحلة النظر، ذلك أن التطبيق العملي هو الذي يكشف لنا مدى صدق مقدماتنا أو افتراضاتنا، بل يغنيهما ويطورهما أو قد يغير أحيانًا من هذه المقدمات والافتراضات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت