وفي رده على مسألة عادة الاقتران التتابعي في التعبير عن علاقة العلة بالمعلول فيرى أن لفظ العادة مموّه، فإن أرادوا أنها عادة للموجودات، فالعادة لاتكون إلا لذي نفس، وإن كانت في غير ذي النفس فهي في الحقيقة طبيعة، وهذا غير ممكن، أعني أن يكون للموجودات طبيعة تقتضي الشيء إما ضروريًا وإما أكثريًا وإما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات.
وعلى هذا فقد خلط الغزالي ومن ماشاه في اعتقاده بالعادة بين ثلاث مستويات: فهم لم يحددوا إذا كانوا يقصدون بالعادة عادة الفاعل الخالق أو عادة الموجودات أو عادتنا في الحكم على الموجودات فإذا كان المقصود عادة الفاعل الخالق فهذا محال ذلك لأن العادة صفة نفسية تخص الإنسان وكل ذي نفس ولا تنطبق على الخالق. فابن رشد يرفض الفكر التشبيهي بين الإنسان والخالق ويرى أن ليس من عادة الخالق أن يخلق شيئًا ثم يغيره ويستشهد في ذلك ببعض الآيات القرآنية المعروفة. وهذا يعني أن ما خلقه الله غير قابل للتبديل وأنه لايخضع لمجرد العادة النفسية فالأشياء التي خلقها الله منذ القدم هي أشياء وموجودات ذات صفات ثابتة أما القول بوجود العادة في الموجودات فهذا من قبيل الاستمالة، لكونها ليست بذي نفس فالعادة لا تكون إلا لذي نفس، فما يسمى عادة بالنسبة للموجودات ليس في الواقع سوى الطبائع الواقعية التي تحدد هوية هذه الموجودات، طبق العادة التي يكونها البشر عند الحكم على الموجودات فهذه بدورها ليست أكثر من فعل العقل نفسه الذي يقتضيه طبعه فالعقل مفطور على إدراك الأسباب التي بدونها لايكون العقل عقلًا.
لقد فنّد ابن رشد آراء الغزالي واتجاهه الإشراقي المثالي الذي ينكر الأسباب المادية والوجود الموضوعي المستقل للأشياء والموجودات كما ينكر الهوية الخاصة لكل الأشياء مما يؤدي بنا إلى عدم اليقين والتحقق التجريبي من معارفنا عن العالم.