يبتدئ ابن رشد في ردّه على الغزالي تجاه مسالة السببية بقوله إن إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات فقول سفسطائي أو أنه يبرهن على تناقض المنطق الداخلي للفكر الذي ينفي وجود الأسباب في طبائع الأشياء، فالغزالي نفسه لا يستطيع أن ينكر من الناحية المبدأية أن كل فعل لابد له من فاعل. لكن الغزالي يرجع هذه الأسباب إلى مبدأ خارجي مفارق وإما غير مفارق، وليس من طبيعة الأشياء أو الموجودات نفسها، وهذا ضرب من التناقض والتجهيل وإنكار لذوات وصفات وأسماء وحدود الأسماء، بحيث تصبح الأشياء كلها شيئًا واحدًا ولا شيئًا واحدًا، فالأسباب الذاتية لا يفهم الموجود إلا بفهمها، وأي موجود لا يكون له فعل يخصّه لا تكون له طبيعة تخصّه. ولبّ المشكلة أن علاقة السببية عند الغزالي علاقة منطقية مجردة قائمة على عدم الاقتران التتابعي الزمني، وهي ليست علاقة ضرورية واقعية ناشئة عن طبائع الأشياء المادية، فالعلة لا تكون مجردة وكذلك المعلول عند ابن رشد أما إذا اعترضت بعض الظروف الطارئة، سبيل العلة فمنعتها أن تنتج نفس المعلول فينبغي أن تؤخذ هذه الظروف بعين الاعتبار، لكن ذلك لا يعني أن تسلب النار صفة الإحراق في حال بروز ظروف معيقة لعمل العلّة أي النار، أو انتفاء القول بأن نفس العلّة تعطينا دائمًا نفس المعلول. ويرى ابن رشد بأنه مهما اختلفنا في تسمية المعلول سواء أسميناه مادة أو شرطًا أو صورة أو صفة نفسية فإننا لا نستطيع إنكار علاقته الضرورية بالعلّة، والعقل عنده ليس أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها.