كان هذا تلخيصي على تلخيص ابن رشد، قصدت فيه استنباط الأقوال العلمية دون جدال، تمامًا كما فعل ابن رشد في الجوامع (أي كتاب السماء والعالم لأرسطو) في جوامع. وهنا أود أن أشير إلى أن التزام ابن رشد بما عرضت من الأفكار الأرسطية بصيغتها الكوزمولوجية المعبرة عن رأي ابن رشد واقتناعه بها، لم يكن تقليدًا علميًا ولا فلسفيًا، إذ طالما اختلف الفلكيون العرب المسلمون في اتجاهاتهم الفلكية بين الآخذ بالاتجاه الرياضي كالفرغاني مثلًا، والآخذ بالكوزمولوجية الأرسطية. مع أن رياضيًا كالحسن بن الهيثم أشهر منتقدي بطلميوس، أو ثابت بن قرة الحراني مثلًا، الواضع لنفسه كوزمولوجيا خاصة به ولم ير ضرورة أن يكون أرسطيًا، فحاز على نعمة التفكير المستقل والأصالة والإبداع في مشروعه الفلكي.
وكذا نجد البطروجي، وهو تلميذ ابن رشد، قد التزم الكوزمولوجيا الأرسطية، ولكنه أبدع في الفلك التعاليمي حيث قال عن بطلميوس: إن كل ما جاء لديه إنما هو بالتوهم وليس بالحقيقة. وقارب البطروجي أن يضع هيئة بديلة عن هيئة بطلميوس، فظهر كأشهر منافس لبطلميوس في الغرب اللاتيني.
الآن كيف يريد ابن رشد للفلك أن يكون، بعدما فهمنا الكثير عنه مما عرضناه؟- كان يريد من الفلكيين الرياضيين أن يتموا استدلالهم الناقص. إذ يسمى عملهم بوضع الفرض الذي يوصل إلى نتيجة صادقة استدلالًا (تحليليًا) .
وهو يريد منهم أن يسيروا أيضًا باستدلالهم تركيبيًا، أي أن يكون انطلاقًا من الواقع أو التنبؤ أوالظاهرة باتجاه الفرض. فإن نجحوا فهذا حينها خير ما يمثل الحقيقة الفلكية الواقعية. فالحقيقة الفلكية الصادقة (التجربة -المشاهدة) لا تقبل فروضًا متعددة، بل ثمة فرض واحد أو نظرية واحدة هي التي تعكس لنا طبيعة ما يجري فعلًا في الأجرام السماوية.
أما ماالذي يجعل ابن رشد يعتقد أن المقدمات الأولية التي وردت في كوزمولوجيا أرسطو صادقة سأجيب هنا على الشكل التالي: