وقد جاء هذا، بعد أن اتسع الاهتمام-وعلى نحوٍ ضروري- من الطبيعة ليشمل ذات الإنسان، في وضعه الاجتماعي- التاريخي، كذاتٍ ناشطةٍ، محوّلة للطبيعة والمجتمع ولذاتها، في سعيها المتواصل لتحقيق غايتها الإنسانية، عبر تحقيقها للعدالة الذاتية والاجتماعية، على نحوٍ تاريخي.
وقد تمثّل ذلك الإنجاز المعرفيّ العظيم، في تراث ابن رشد عامة، وفي شرحه لجمهورية أفلاطون خاصة. فعبّر بذلك عن مرحلةٍ حضارية كاملة، تميّزت بتحولات عميقة وشاملة، في أديم المجتمع العربي الإسلاميّ عامة، والمغربي الأندلسي في عهد دولة الموحدين خاصة، حيث نشأت الفلسفة-هناك- وتطورت بعلاقة عضوية مع بقية العلوم فكانت بذلك معبرة ومستجيبة لمقتضيات ومتطلبات التقدم المادي التكنيكي المتطور، ولضرورة التقدم الاجتماعي.
وهذا ما يدعونا لعرض أهم العوامل الأساسية لنشوء فلسفة عقلانية-اجتماعية - تاريخية، لدى ابن رشد:
-يتمثل العامل الأول: في الوضع الاجتماعي- الاقتصادي المتطور، في المغرب عامة، والأندلس خاصة، في عهد دولة الموحدين، فلقد أُحصيت الصناعة بمدينة فاس وحدها، في عهد الخليفة الموحدي الثالث، فكانت (( اثنيّ عشر مصنعًا للمعادن، وثلاثة آلافٍ وأربعةً وتسعين نولًا للنسيج، وسبعة وأربعين معملًا للصابون، وستة وثمانين مصنعًا للدباغة، وثمانمئةٍ وستة عشر مصنعًا للصباغة، وأحد عشر مصنعًا للزجاج، ومئة وخمسة وثلاثين مصنعًا للحبر، وأربعمئة مصنعًا ل..؟..، هذا عدا المطاحن والمعاصر والحرف اليدوية والتقليدية(1 ) )).
هذا الوضع الذي تميّز بالنهوض الشامل لقوى الإنتاج الرأسمالية الناشئة، في صراعها المحتدم مع الإقطاعية- القبلية، في علاقاتها المتفسخة والمتحجرة، والتي شكلت-هذه الأخيرة- كابحًا حقيقيًا أمام ضرورة سيادة العلاقات الرأسمالية فيما بعد.