أما العامل الثاني: فتمثل في البنية الفكرية، والتي عكست-بحدودٍ متفاوتة- البنية الاجتماعية- الاقتصادية السالفة الذكر، والتي تميزت بالتقدم العلميّ الواسع، في كافة المجالات النظرية والتطبيقية، وانتشار الفلسفة العقلانية، التي مثلت روح التقدم، فكانت المعبر عن مستوى طموحات القوى الاجتماعية الرأسمالية الناشئة وتطلعاتها. ويكفي أن نقول هنا: إن دولة الموحدين هي أولُ دولة تطبق التعليم الإلزامي والمجاني، للذكور والإناث، في القرون الوسطى. وإنه قد تربى وترعرع في كنفها أعظم فلاسفة هذه الأمة، وهما ابن طفيل- وابن رشد.
أمّا العامل الثالث، فقد تمثّل في حركات"العامة"والحامل الاجتماعي لطموحات القوى الرأسمالية الناشئة، ضد حكم المرابطين، الممثل والحامل الاجتماعي للقوى الإقطاعية- القبلية، في عملية تكريسها وتأييدها لعلاقاتها، وتجسّد ذلك بحركات"العامة"في قرطبة، حاضرة الأندلس، وكافة المدن والبلدان، أواخر حكم المرابطين، والتحركات الطموحة لابن حمدين، وابن العريف، وابن قسى وغيرهم... وقد انعكس ذلك فكريًا في الصراع الدائر بين الفكر العلمي والفلسفي، والتيار الإيماني التسليمي النصي، والمعادي لروح التغيير والتقدم.
رابعًا: العقيدة المهدية ذات المنحى الشوري التحرري، وتأثر ابن رشد بها وشرحه إياها بكتاب خاص أسماه"عقيدة المهدي ابن تومرت"، تلك العقيدة التي شكلّت-بالنسبة لابن رشد، بوتقة فكرية انصهر فيها:
أ- التراث الكلامي والفلسفي-العربي، الإسلامي- للقدريين الأوائل من المعتزلة، ومن جاء بعدهم من الفلاسفة الفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن طفيل، بوجهه التاريخي التحرري، والمنشط لعملية التقدم.
ب- الفكر الفلسفي الإنساني عامة، وفلسفة أرسطو خاصة، مجذّرًا ومتأصلًا بالوضعية المغربية الأندلسية، ومؤطرًا بالفكر المهدوي.