إنَّ عظمة ابن سينا لا تكمن فقط في نشاطه العلمي الشمولي والعميق. لقد كان ابن سينا إنسانيًا أصيلًا حقًا ومكافحًا من أجل أفكار التقدم والحرية الأخلاقية. فهو أحد الأوائل الذين تجاوزوا الجسر القائم بين الشرق والغرب، وأطلعوا الشرقَ على تعاليم مريدي المدرسة الأرسطو طالية، وأطلعوا أوربا على الطب الآسيوي ونقلوا إلى الغرب خبرة وطنهم الطبية العريقة. لذا كان ثمة أساس كامل لكي يطلق عليه"حكيم الشرق والغرب"، ترأس ابن سينا العلوم الطبية في العصور الوسطى. فهو قد درس وأدخل في الحياة العلمية الأعمال والمؤلفات التي كتبها بالعربية العلماء النساطرة واليهود والزرادشتيون والصابئة، وكان يعرف الوسائل الدوائية العلاجية الهندية والصينية والتبتية، ويشير إليها في مؤلفاته.
ثمة نقاط ضعف مختلفة وهفوات وآراء باطلة وردت في تعاليمه، مع مناقشات لا طائل فيها واتجاهات صوفية يعود سببها إلى ضيق الأفق التاريخي الذي كان محتومًا ومقدرًا على المجتمع الإقطاعي آنذاك. غير أنَّ هذا لا ينتقص من أهميته. ويجدر أن نتذكر رأي لينين القائل:"إن المآثر التاريخية لا يحكم عليها من خلال ما قدمته الشخصيات التاريخية بالمقارنة مع المتطلبات العصرية بل بما قدمته بالمقارنة مع سابقيهم" (6) .