(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال) و (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملّة) . والسبب في ذلك هو أن كتب الإمام الغزالي كانت قد نبَّهت المتكلمين والفقهاء، كما نبهت عامة الناس عن طريق هؤلاء إلى مزالق الفلسفة والفلاسفة وإلى وجوب تكفيرهم والابتعاد عنهم، فكان إذن على الفيلسوف أن يجابه القوم بما يرضيهم، ويحاول أن يبرر أقواله وطريقته، ولا يستطيع الفيلسوف أن يصل إلى هذه النتيجة إلا على مرحلتين: المرحلة الأولى هي تبرير اشتغاله بالفلسفة، والمرحلة الثانية هي إظهار النتائج الفلسفية مطابقة لمعتقدات الدين... ولابد لنا هنا من الإشارة إلى الفارق الأساسي بين نظرة ابن رشد هذه إلى الدين والمجتمع وبين نظرة سائر الباطنيين والفلاسفة العقلانيين، فهناك في تاريخ الإسلام فرق كثيرة عرفت بالباطنية كالإسماعيلية واخوان الصفا والصوفية، والمذهب الباطني هو الذي يقول بأن للشرع ظاهرًا وباطنًا. ولكن الباطنيين على الجملة كانوا يسعون لتقريب الناس من عقيدتهم وتقريب عقيدتهم من أذهان الناس عن طريق المرشدين الذين يطوفون المدن والقرى، فكأن باطنيتهم عامية عملية. والباطنيون مع ذلك لا يقرون لأهل الظاهر بشيء من الحقيقة لأن الظاهر في نظرهم هو كالقشور التي تخبئ اللباب في داخلها. بينما رأينا أبا الوليد (ابن رشد) يميز على أساس الظاهر والباطن بين فئتين من الناس هم العامة والخاصة.