فهرس الكتاب
وعن قوة أثر ابن رشد كتب العقاد مايلي:"رزق ابن رشد حظًا آخر غير بعد الأثر واتساع مداه، وهو قوة الأثر وعمق البحث فيه وشدة الخلاف عليه... وقد رزق ابن رشد من هذا الحظ النادر أوفي نصيب، فما ظهرت فلسفته في مكان إلا انتصب فيه ميدان كفاح، وكان الكفاح عنيفًا والاستبسال فيه من الجانبين على غايته في مجال الرأي والعقيدة، فلم يحفظ لنا تاريخ الفكر مساجلة بين حكيمين في قوة المساجلة التي دارت بين ابن رشد والغزالي من حيث مضاء سلاحها ونفاذ حججها وبراهينها. ثم تمَّت هذه المساجلة برد الإمام ابن تيمية الذي ناقش فيه براهين (مناهج الأدلة) ووضع لعلم المنطق الإسلامي كتاب (الرد على المنطقيين) أو الرد في الحقيقة على العلوم الحديثة في زمانه ومنها حساب الكواكب والنجوم. ودامت هذه المعركة بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة إلى القرن التاسع للهجرة والقرن الخامس عشر للميلاد. فعهد السلطان محمد الفاتح العثماني إلى عالم زمانه خوجه زاده (ت 893 هـ) بالموازنة بين كتاب (تهافت الفلاسفة) للغزالي وكتاب (تهافت التهافت) لابن رشد، فوضع في ذلك كتابه المشهور... أما في أوروبا فلم تنقطع المناقشة في الفلسفة الرشدية من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر، ثم كان لها استنئاف في القرن التاسع عشر على يد المؤرخ الباحث أرنست رينان صاحب كتاب (حياة المسيح) وكتاب (ابن رشد والرشدية) وغيرهما من كتب البحث والتاريخ وشملت المعركة معسكر اللاهوت المسيحي ومعسكر اللاهوت الإسرائيلي في وقت واحد...."