فهرس الكتاب

الصفحة 15780 من 23694

يقول الدكتور الجابري في مقالة:"صراع المعقول واللامعقول في الفكر العربي الإسلامي (5) مايلي:"أن العقل العربي لم يكن ظهوره نتيجة تصفية الحساب بكيفية نهائية مع اللامعقول، كما كان الشأن بالنسبة للوغوس اليوناني الذي قام ليحل محل الميتوس، بل لقد بقي اللامعقول ملازمًا ومصارعًا للعقل العربي منذ تكوينه وخلال جميع مراحل تطوره، لقد ظهر العقل العربي أول ماظهر في القرآن كخطاب يدعو الإنسان إلى التحرر من العبودية لما يصنع بيديه أي للتحرر من الاستلاب بأقوى معانيه.. كان ظهور العقل العربي إذن خلال المعقول الديني الذي قدمه القرآن مقرونًا بالدعوة إلى التخلص من الاستلاب الديني للمشخص (الأصنام) ومن التقليد ومن الخوف من قوى الطبيعة ومن مظاهر أخرى من الفكر البدائي، أو قل كان هو هذه الدعوة نفسها. ولقد وفر الإسلام للعقل العربي كل إمكانيات التطور بتحوله إلى دولة ذات طموحات عالمية، دولة ورثت الحضارات القديمة فعلًا فأصبحت تتوفر بين عشية وضحاها على موروث ثقافي ضخم ومتنوع، فكان هذا الموروث القديم هو المجال الحيوي الذي قدر للعقل العربي أن يتنفس فيه. وبما أن هذا الموروث القديم كان خليطًا من المعقول واللامعقول فلقد قُدِّر للعقل العربي ألاّ يرتقي درجة في العقلانية إلا وارتقى درجة مماثلة في اللاعقلانية، وهكذا فبمجرد ماخطا العقل العربي خطوته الأولى مع العقلانية القرآنية متحررًا من اللامعقول الجاهلي، جاءت الإسرائيليات لتغرقه بأخبار الجنة والنار وأساطير الأولين والآخرين... إننا نعتقد أن الستراتيجية الرشدية التي دشنها ومارسها ابن رشد هي وحدها الكفيلة بتحرر العقل العربي من تشنجات المعقول الديني وردات اللامعقول العقلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت