لقد دأب النقاد على دراسة الفنون البلاغية بوصفها صورا شعرية أو أدبية غير أن الحقيقة خلاف ذلك لأن الصورة قوامها المضمون في تحديد الفكرة بيد أن الفنون البلاغية ملامح تكسب الصورة بهاء ورونقا وجاذبية لأنها تقرب المضمون المحدد من لدن المبدع إلى نفسية المتلقي ومداركه. فالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز أدوات بوساطتها يضفي الشاعر أبعادا تكاد تكون منسجمة مع هواجسه وأحاسيسه، على الرغم من كونها تقرب ذات الصورة وحيويتها. فحينما صير الغزال التشبيه معادلا لذات الصورة الحقيقية كان يبغي قيمة المشبه به أكثر من ذات الصورة كما في قوله:
فلم يعطني من ماله غير درهم
كما اقتلع الحجام ضرسًا صحيحة ... إذا استخرجت من شدة ببكائي (8)
فلا غرابة إذا ماقُصر المشبه به لكونه محققا رغبة المبدع حتى استقر توكيدا لينفض غبار الشيب، كما في قوله: ... إلاّ كشمس جُللت بضباب
ماالشيب عندي والخضاب لواصف
تُخفى قليلا ثم يقشعها الصبا ... فيصير ماسترت به لذهاب (9)
وعلى الرغم من وجيب القلب بقيت فتاة الشاعر مرهونة بالضباب الذي أرهبه المجهول، فالمشبه به ظل محورًا في تركيب المجالسة الشعرية بين ذات الصورة، وحدود أبعاد التشبيه،"فكأن"ظلت معيارًا للمعادل بين كفتي خيال الشاعر وواقعه الملموس كما في قوله: ... ولقلبها طربًا إليك وجيب
خرجت إليك وثوبها مقلوبُ
وكأنها في الدار حين تعرضتْ ... ظبيٌ تعلل بالفلا مرعوبُ (10)
وتتجلى إحساسات الشاعر لاسيما الدينية في تقريب المعقول بدلالة المشبه به لكونه ركنًا من أركان جماليات الصورة المستمدة من القرآن الكريم، فإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على وعي الشاعر وثقافته وفطنته وذكائه"ولهذا اتسمت صور الغزال بالابتكار والمعاصرة" (11) . كما في قوله: ... من الحياة قصيرٌ غير معتمد
أصبحتُ والله محسودًا على أسدِ
حتى بقيتُ بحمد اللّه في خلفٍ ... كأنني بينهم من وحشةٍ وحدي (12)