فالعلاقة دائما في شعر الغزال تكاد تكون متجانسة مع خياله في استخدام التشبيه. فالمقاييس الجمالية ظلت شاخصة في تحديد أبعاد أدوات صوره، علما أن المجسم بالمشبه به ظل موازيًا لأركان الصورة المقصودة. فالسواد بُعدٌ مرفوضٌ في أخيلة الشعراء، لذلك ظل مقرونًا بالبؤس والشقاء والعذاب والألم واليأس، بيد أن شاعرنا لم يلجأ إلى مالجأ إليه امرؤ القيس (13) أو أبو الطيب المتنبي (14) . فحينما قرر الغزّال لبس السواد ظلّت قرينته مستوحاة من ذات المشبه به، الذي بقيت أبعاده شاخصة أمام بصيرة شاعرنا. فثوب القس سمة جمالية أكسبت الصورة معلمًا قريبًا من ذهنية المتلقي، ومنحت الدلالة ملمحًا مستقرًا في واقع الحياة كما في قوله: ... على ظهر غربيب القميص نآدِ (15)
ولبسٌ كثوب القس جُبَّت سواده
ولانكاد نلمس في ركن التشبيه غرابةً لايدركها المتلقي، لذلك يمكننا القول: إن أدوات التشبيه ظلت منسجمة مع الحقيقة المعروفة التي قررت التشبيه ملمحًا من ملامح الفطرة. فلو عدنا إلى الأمثلة السابقة لوجدنا الحقيقة ذاتها. ... خواضع طير يتقي الصقر لبّدُ
فالغزال اعتمد على التشبيه في كسب الزمن، سواء أكان ذلك لنفسه أم لمتلقيه، فضلا عن كون هواجس الشاعر دلالات لكل متتبع أو متقص لتشبيهات الغزال. وكما في قوله أيضا:
كأن الملوك الغلب عندك خضعًا
تقلب فيهم مقلة حكمية ... فتخفض أقوامًا وقومًا تسود (16)
وهكذا مافتئ التشبيه أداة من أدوات صور الغزال الشعرية، لكن الاستعارة حدّدت الأداة الثانية لصور الغزال، إن لم تكنْ ملمحًا يكسب المتلقي خبرةً في تحديد تناول الشاعر لصوره الشعرية. فالاستعارة تكاد تكون مستمدة من التراث الشعري سواء أكان جاهليًا أم اسلاميًا أم أمويًا أم غير ذلك. ... بالحادثات فانه مغرورُ (17)
والذي يقرر تلك الحقيقة قوله:
مَنْ ظن أن الدهر ليس يصيبه
فالذي يبدو أن الاستعارة مستقاة من قول أبي ذؤيب الهذلي: ... ألفيت كل تميمةٍ لاتنفع (18)
وإذا المنيةُ أنشبت أظفارها