فهرس الكتاب
وما إن تنتهي المبارزة بالسيوف الفولاذية، التي كانوا يتغنون بأنها هندية، رغم أنها صنعت في دمشق -وملكت هذه المدينة، خلال حقب عديدة أسرار الفولاذ الدمشقي- حتى تبدأ لعبة فروسية أخرى هي لعبة"الحكم"-وتلفظ الكاف هنا جيمًا مصرية- بطلا هذه اللعبة من الفتيان الأشداء في الحي الذين يوصفون بأنّهم"معدّلون"نظرًا لاشتهارهم بالأخلاق الحسنة، على الرغم من احتيازهم القوة البدنية- وكان بعض نظرائهم الأقوياء يستغلون هذه الطاقة الجسدية في أعمال الشرّ والسوء- وإذا كانت هذه المبارزة تشبه على نحو ما، لعبة السيوف إلا أنّها تختلف عنها بأدواتها، فالخيزرانة تحل هنا محل السيف، ويحل محل الترس مايسمى"الحكمة" (16) وهي ترس من الجلد المحشو بالقطن، حتى يصبح صلبًا وله من باطنه مَمْسكٌ ليحمله اللاعب بيده (17) . وحين تبدأ هذه اللعبة يقف اللاعبان أحدهما قُبالة الآخر، بنصف اتجاه نحو اليمين. ثم يتقدمان ويتصافحان ويقبّل كل منهما أنامل الآخر مجتمعة، ثم يفترقان زهاء ثلاثة أمتار، وينفرد كل منهما في اللعب بخيزرانته تمرينًا وتهيئة للأعصاب والجسد... قبل بدء المبارزة. فترى الخيزرانة تدور في يد كل منهما، إلى سائر أطرافه، ضاربًا بها جسده، ثم يرتدّ بها إلى الأمام والخلف... إلى أن يضرب"الحكمة"... وهكذا... حتى تبدأ المنازلة فيتقدم كل منهما نحو خصمه خطوة، في حيث تتلامس الخيزرانتان، ثم يعود كل منهما إلى مكانه، وهو يضرب"حكمته"بخيزرانته إيذانًا ببدء اللعب.