هنا تتجلى الدقة والإبداع الإلهي في صوغ تلك العناصر، فبينما هي جامدة خاملة، لا حركة فيها ولا حياة، نجدها كائنًا حيًا، متحركًا عاملًا في جسم الإنسان. فقد نُفخت الروح في الطين فنطق، وتحوّل إلى عينين، ولسان وشفتين، ودماغٍ عاقل مفكر يعي نفسّه والوجود حوله.. بل أصبحت مادة الطين هذه بمثابة أشرطة تسجيلٍ، تسجل كل حركة من حركات صاحبها، وتنطِق بها يوم الحساب، وهذا لعمري منتهى العدل في محاكمة الإنسان يوم القيامة (اليوم نختِم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم/ وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسِبون) (يس 65) .
وكأن الشاعرة العربية رابعة العدوية، قد نطقت بهذه الحقيقة العلمية دون أن تدري حين قالت:
إذا صحّ منك الود فالكل هيّن * * * * * وكل الذي فوق التراب تراب
وبعد آية الطين تأتي الآية التالية: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) (المؤمنون 13- 14) . وهنا نترك الكلام للبروفسور الكندي"كيث مور"رئيس قسم التشريح والأجنة في جامعة"تورنتو"إذ يقول: عندما يبدأ الجنين بالنمو في بطن أمه يكون شكله شبيهًا بالعلقة أو الدودة. وعَرَضَ صورةً بالأشعة لبداية الخلق، ومعها صورةً للعلقة، فظهر التشابه واضحًا بين الاثنين.