كما أن البعد الطللي -في الشعر الجاهلي عامةً- غني بالمعاني الرمزية من الوجهة النفسية خاصةً، فقد اعتمد الشعراء في صياغتهم الفنية على الطاقات التي تفتقها خبايا النفس وتجارب الذات الشاعرة، وهكذا تلونت هذه المقدمات بتلونات النفس الإنسانية في تعاملها مع ملابسات الحياة، ثم أسقطت كلها على الأطلال، ومن هنا كانت رمزية الطلل تختزن هذه المعالم النفسية وتعمق من تجربتها، فكان الشاعر حين يشير إلى مخلفات الأطلال من"نؤي وأثافيّ، وبعر الآرام وعرصات الدار، يشير -في الواقع- إلى كل ماظل خامدًا في نفسه أو في شعوره الباطني (( لذلك لم تعف هذه المعالم من الذكرى، كما عفت هذه الآثار مهما غامر الزمن واستحدثت المعطيات في حياتنا لأن النفس لاتفنى، وأن عواطفها وتجربتها هي التي خلدت هذه الأشياء المقدسة والكائنة في نفوسنا ) ) (12) ."
أما يحيى الجبوري فيرى أن المقدمة الطللية تمثل جزءًا من حياة الجاهلي فهو عند وقوفه يستحضر ذكرياته، هذه الذكريات التي تثير في نفسه مكامن الأسى والشجن والحنين، فيندفع مناجيًا ديار الحبيبة، مخاطبًا آثارها، ومن ثم فهو يصور أحاسيس صادقة وعواطف جياشة، لاسيما أن الديار تمثل الوطن المهجور ومايحويه هذا الوطن من أحبّة وصحب وأهل (13) .
وإذا لم نختلف جوهريًا مع هذا الرأي، ومايماثله من آراء نقدية أخرى تصب في هذا المعنى أو ذاك مما يذهب إلى أن الطلل يمثل حيزًا واسعًا من حياة الجاهلي الذي اعتاد حياة الحلّ والترحال، حتى إنه حين يقف عند الطلل لايعبر عن أساه وحزنه لفراق الحبيبة بل يمكن أن يتجاوز ذلك الحنين إلى الوطن المصغر بكل مايثيره في نفسه من لهو وفرح، وعذاب وضنى في الزمن الغابر.