فالتساؤل الذي يمكن طرحه بهذا الصدد، هل بالضرورة أن جميع الشعراء الذين تغنوا بالأطلال عاشوا التجربة أو عايشوها؟ وهل بالضرورة رحلت عنهم حبيباتهم فوقفوا واستوقفوا في زمن بعينه وأماكن محددة، وبكوا واستبكوا؟ أو أن تلك سنة فنية -كما أسلفنا- رسمت من قبل شاعر ما، فوجدت صدى نفسيًا مقبولًا ومؤثرًا لدى لفيف من الشعراء الذين تأثروا بهذا المطلع، وأتوا بما أتى به هذا الشاعر الأول الذي لانشك في صدق تجربته ولوعة مأساته العاطفية، لتصبح تقليدًا فنيًا متبعًا يسير على منواله الجميع على أنه يمثل النموذج أو المثال المحتذى، ولعل ماجعلنا نميل إلى هذا الطرح أن المقدمات الطللية -في جملتها- لاتخلو من المواصفات التالية:
إنها تعطينا -على اختلافها- نصًا شعريًا مكرورًا، فعلى مافي هذا النص من خصائص شعرية متميزة بعض التميز، تدل على فردية كل شاعر، وعلى شخصيته الشعرية إلا أن هذا الموضوع العام، أو السياق العام الذي تدور حوله معاني المقدمة وتراكيبها يكاد يكون نفسه في أغلب الأحيان، ناهيك عن بعض المقدمات التي تأتي بعض أبياتها متضمنة في أبيات أخرى من مقدمة أخرى، ثم إن هناك ذكرًا مكررًا لآثار الدار وبقاياها ولوازمها تتكرر بأساليب متشابهة مثل: (( ذكر الطلل، والبكاء عليه والوشم، والنؤي، وبعر الآرام، والأثافي وذكر الأماكن أو المواضع التي كانت منبع هذه الذكريات ) ).