ويبدو أن التساؤل الذي يحمل مشروعية طرحه في هذا المجال هو -ببساطة- مادامت هذه المقدمات الطللية استجابة نفسية لحاجات الشعراء النفسية والفنية، لِمَ لم تأت متنوعة بتنوع الأسلوب والتجربة؟ ولِمَ لمْ نقرأ اختلافًا في المنهج والرؤيا لدى هؤلاء الشعراء الذين التزموا بنمط واحد في البنيتين التركيبية والمعنوية؟ بل لِمَ لم يتنوع الموضوع -في حد ذاته- وفي طريقة تعامله مع المرأة ولوازمها -بصفتها جوهر الموضوع؟ وبذلك تكتسب هذه الظاهرة الشعرية خصوبة وتنوعًا واستجابة حقيقية لتطور الشعر عبر التطور الزمني، وتطور الأخيلة، وبذلك نستطيع أن نضع أيدينا على إبداع شعري متميز.
وبطبيعة الحال، فإن ماذكرناه لايعني أن تلك المطالع قد خلت من الجوانب الجمالية، والأحاسيس الإنسانية التي تدل على رقة شعور الشاعر الجاهلين وصدق تجربته: (( أما المطالع الغزلية ففيها إحساس دقيق بالجمال، وتذوق لمحاسن المرأة والقارئ لمشاهد الارتحال والفراق، يشعر بهزة من شوق ورهبة وحنين لهذا الفراق، وحين تذكر المرأة، وتوصف محاسنها، نجد في هذا الشعر إقبالًا على الحياة وامتزاجًا بها وتعلقًا بمباهجها ) ) (14) .
بيد أن المشكلة التي ظلت عالقة في ثنايا الشعر الجاهلي عامة، أن هذا الشعر على دقته في تصوير الجوانب الحسية للمرأة، وإقباله المفرط على تصوير رغبته فيها، تلك الرغبة التي تقف -تقريبًا- عند الجانب المادي دون الإطلالة على جوانبها الأخرى من نفسية وروحية وجمالية توحي بجوهرها الإنساني البعيد عن الجوانب الحسية.
فقد صور الشعر الجاهلي المرأة على أنها متاع للرجل، وأنها فتنة -قد تزول حين يقضي وطره منها، في حين أهمل جوانبها الأخرى، على الرغم من إحساسنا حين نقرأ هذا الشعر أنه يعترف ضمنًا أن المرأة ليست جسدًا للمتعة فحسب، بل هي أشياء أخرى أيضًا.
(1) شكري فيصل، تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام، ط5- ص23.
(2) المرجع السابق: ص27.
(3) المرجع نفسه:ص24.