فهرس الكتاب

الصفحة 16052 من 23694

فامتعض حسان وغادر الموسم.

وينفي طه أحمد إبراهيم هذه الرواية بقوله:"إن الجاهليين لم يكونوا يعرفون جمع التكسير وجمع التصحيح وجموع القلة والكثرة، إذ لم يتوفروا على الذهن العلمي الذي يفرق بين هذه المصطلحات الصرفية العلمية". (1)

والواقع أن نفي الرواية بهذا التعليل مردود عليه، لأن النابغة لم يستعمل أي مصلطح من تلك المصطلحات العلمية، إنما قوم ألفاظ الشاعر تقويمًا لغويًا دلاليًا لتصحيح المعاني.

ونحن نعلم أن المدرسة العكاظية إنما كانت تعقد مواسمها لاستماع القبائل إلى أشعار بعضها لانتقاء أفصح اللهجات القبلية وأجملها وأدقها في تركيب المعاني الشعرية.

وحتى لو كانت هذه الرواية قد وضعت في الاسلام، فإنها مؤشر إلى القيم اللغوية التي كان العرب يجلونها ويعنون بها عناية خاصة، وكانت محور المدار الذي يستقطب خبراء الشعر، لتمييز الصحيح من الخطأ والألفاظ الرشيقة من الثقيلة والأحرف المتناغمة في إيقاعاتها الموسيقية من المتنافرة أو الرائشة.

والطريف من مظاهر النقد الجاهلي للمعاني، ماروي عن اجتماع لبعض شعراء تميم. وهم: الزبرقان بن بدر، والمخبل السعدي، وعبدة بن الطيب، وعمرو بن الأهتم. اجتمع هؤلاء الشعراء الأربعة في مجلس شراب، وادعى كل منهم الأفضلية في الشعر، فاختصموا واحتكموا إلى خبير بالشعر. فقال الخبير:"أما عمرو، فشعره برود يمانية تطوى وتنشر."

وأما الزبرقان، فكأنه أتى جزورًا قد نحرت فأخذ من أطايبها وخلطه بغيره. وأما المخبل، فشعره شهب من الله يلقيها على من يشاء. وأما عبدة، فشعره كمزادة أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء" (2) ."

بهذه العبارات المجازية الرائعة المنتزعة من البيئة البدوية البسيطة، اختصر هذا الخبير بأشعار العرب، وعلى طريقتهم المألوفة:"خير الكلام ما قل ودل"أحكامه على المعاني التي تفرد بها كل واحد من هؤلاء الشعراء، فكانت ترميزًا بدويًا فطريًا لطبيعة شعر كل واحد منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت