فهرس الكتاب
وإذًا، فقد كان في الجاهلية خبراء بالشعر يميزون الجيد من الرديء، ويستبرون في الشعراء خصائصهم اللغوية والمعنوية والفنية.
في صدر الإسلام استمرت محاولات النقد تتفلك في مداراتها الجاهلية، باستثناء محاولات قلائل فيها نقلة نوعية تبشر بنقد تعليلي موضوعي، من أبرزها قولة عمر بن الخطاب في شعر زهير بن أبي سلمى إذ حكم له بأنه أشعر الشعراء، معللًا هذا الحكم بقوله:
"كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحدًا إلا بما فيه" (3) .
فلو أتيح لهذا المعيار الأخلاقي الاجتماعي، أن يتبلور، لكان من الممكن أن تبنى عليه نظرية نقدية واقعية اجتماعية مبكرة.
وفي العصر الأموي، نزح الشعر من الحجاز إلى البيئات الجديدة الثلاث، إلى المدينة والعراق والشام. فكان لكل بيئة أثرها في معطيات الشعراء الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ففي المدينة استبيح شعر الغزل وبولغ فيه نتيجة لحياة الترف فيما نشأ من المنتديات السمرية كمنتدى سكينة بنت الحسين، حيث بالغ الشعراء في وصف المرأة وصفًا طريفًا وحسيًا. وكان من الطبيعي أن يواكب النقد هذا اللون الذي ملأ الحجاز. فظهر في المدينة رجل يدعى ابن أبي عتيق، أحد أحفاد أبي بكر الصديق، وصف نفسه بقوله:"أنا بالحسن عالم نظّار" (4)
أي بحس الشعر وحسن المرأة.
أولع هذا العالم بشعر عمر بن أبي ربيعة وفضله على سائر معاصريه من الغزلين، معللًا ذلك بقوله:"لأن لشعره نوطة بالقلب وعلوقًا بالنفس ودركًا للحاجة ليست لغيره" (5) .
وهذا تلخيص لمنظور شمولي غير جزئي، في شعر ابن أبي ربيعة بصورة عامة، بما يمتاز به من صدق عاطفي وفني، وتعبير عما في النفس من حاجات لا يستطيع غيره أن يدركها.
وقال في تعريف الشعر وتقييمه:"أشعر قريش من دق معناه ولطف مدخله وسهل مخرجه ومتن حشوه، وأعرب عن حاجته" (6) .
إلى جانب ذلك امتاز نقد ابن أبي عتيق بتعليقاته الساخرة الطريفة في نقد الشعراء. فقد أنشده نصيب قوله: