فهرس الكتاب
وبسبب هذا العمل الذي قام به هيرشبرغ أصبحنا نعرف الكثير عن طب العيون العربي. والفضل في كل ذلك يرجع إلى الأسلوب العلمي الذي اتبعه هيرشبرغ، والذي يتلخص في الاعتماد على الأصول، وفي التعامل معها وفي مقارنتها بمراجع هؤلاء الأساتذة العرب الذين أخذوا عن غيرهم من العلماء السابقين، سواء كانوا من الإغريق أو السريان أو الهنود.
ولو أن الباحثين الأوروبيين كانوا قد ساروا على خطى هيرشبرغ وزميلين لكانوا قد حصلوا على نتائج مشابهة في حقول الطب الأخرى، كالطب الباطني أو الجراحة أو الأدوية.
وفي الحقيقة لقد قام عالمان بريطانيان هما سينك ولويس Spink lewis بدراسة القسم الجراحي من كتاب الزهراوي (التصريف لمن عجز عن التأليف) ، فاكتشفا أن الزهراوي كان قد استوعب الطب القديم، الإغريقي منه والعربي معتمدًا على كتاب كامل الصناعة لعلي بن العباس وغيره وبيّنا المساهمات المبتكرة، والأعمال الطبية الأصيلة التي أنجزها الزهراوي.
وقد جرى في حقل الأدوية شيء شبيه، فتبيّن لعدد من الباحثين أن الأدوية الأوروبية، في العصر اللاتيني، إنما أُخذت برمتها عن كتب الأدوية العربية، وذلك عن طريق الترجمة: إذ ترجم الإسبان والإيطاليون إلى اللاتينية وإلى بعض اللغات الأخرى عددًا كبيرًا من المؤلفات العربية في علم الأدوية المفردة والعقاقير.
لكن فروع الطب الأخرى، وخاصّة الطب الباطني، لم تحظَ بمثل هذه الدراسات. وربما كان السبب اتساع مادتها، وصعوبة الإحاطة بها، وتعذّرِ أن يقومَ باحث واحد بالاطلاع على هذا البحر الزاخر من المخطوطات.