فهرس الكتاب
لكن المؤلفين، وخاصة مؤرخي الطب في أوروبا، ظلوا يكتبون ويرددون أقوالًا قديمة، صارت جامدة مع الزمن، وتكاد تكون كلّها منافية للحقيقة. وأهم هذه الأقوال أن الطب العربي ما هو إلاّ ترجمة حرفية للطب الإغريقي. أي أن (الطب العربي) ما هو إلا (الطب الإغريقي) مكتوبًا باللغة العربية. ومن المؤسف أن هذه الأقوال ما تزال مسيطرة في كتب تاريخ الطب الأوروبية.
وعلينا إن نتساءل هنا:
ما دور العلماء العرب في توضيح خطأ هذه الأقوال؟ وكيف يمكنهم أن يسهموا في توضيح خطأ هذه الأقوال، وكيف يمكنهم أن يسهموا في توضيح الحقيقة؟ كيف يمكنهم أن يبيّنوا، كما بين هيرشبرغ وغيره من الباحثين الجادّين، أن العرب إنما كان لهم طبّ متميز: اعتمد على طب الأّمم السابقة، لكنّه يحتوي على الكثير من الإنجازات الخاصّة، وأن للعرب مساهمات أصيلة، وأعمالًا مبتكرة، أدّت إلى تطوّر العلوم الطبية في التاريخ، واغنت التراث الإنساني؟
وعلينا أن نتساءل هنا أيضًا: لماذا لم تكتشف المعاهد الأوروبية المختصّة بتاريخ العلم هذه الحقائق؟ لماذا لم تتمكن من القيام بواجبها تجاه معرفة الحقيقة؟
ولا أرى أننا هنا في هذه العجالة قادرون على الخوض في كلّ زوايا هذه المسألة وفي تفصيلاتها. إلاّ أنه من المناسب أن نلخّص ما يراه بعض الدارسين الجادّين. فالدراسات الاستشراقية والمعاهد المختصة باللغات أو بالتاريخ أو بالدراسات الإسلامية هي التي تتعامل مع (المنابع) أي مع (الأصول) ، كما قال هيرشبرغ. إنها هي التي تستطيع قراءة المخطوط العربي، وتحقيقه وفهمَهُ، وعرضَ محتواه.
أما أقسام تاريخ العلوم في أوروبا التي ينبغي لها أن تقارن (الطب العربي) بالطب (اليوناني) بحثًا عن الإضافات التي قام بها العرب، أو التحسينات التي أدخلوها على أسلوب التصنيف، أو على طريقة التبويب، فإنها لا تعرف اللغة العربية أولًا، ولا تُنَسّق مع أقسام تلك اللغة أو مع دوائر الاستشراق في الغرب.