فهرس الكتاب

الصفحة 16101 من 23694

من المثّفَق عليه في أوساط (تاريخ العلم) وفي دوائر (الاستشراق) في العالم (6) إن البدايات المعقولة للطب كعلمٍ وفنّ ورسالةٍ ومهنة كانت في الحضارات الشرقية القديمة (7) . وإن تراكم المعلومات الطبية المتناقلة شفويًا وصل إلى درجة عالية من الثراء في أقطار النيل والشام والرافدين. وإن أوائل المدوّنات الطبية جاءت كذلك من هناك. وثمّة وثائق عديدة تشير إلى ظهور التخصّص في المهن الطبية في مصر القديمة خاصّة (8) . وكذلك فإن الأخلاق الطبية بمعناها الرفيع كانت معروفة في هذه اللحضارات، وإن القوانين (9) الصارمة قد سُنّت للحفاظ على مكانة هذه المهنة، وعلى مستوى ممارسيها، مما يدلّ على المنزلة الاجتماعية العالية التي كان يشغلها الطبيب في الشرق القديم، وعلى أهمية المريض في ذلك المجتمع.

ويعترف مؤرخو الطبّ أن هذا (الطبّ الشرقي) قد أثّر في الطبّ اليوناني بشكل أو بآخر (10) ، إلاّ أنهم لا يتفقون على مدى هذا التأثير وعلى أهميته.

الطبّ العملي والطبّ النظري

من المثّفق عليه أيضًا إن هذا (الطب القديم) قبل العصر اليوناني كان طبًّا ذا أهمّية (عمليّة) ، فهو يُعْنَى بتجبير الكسور والتوليد ومعالجة كثير من الأمراض، إلاّ أنه لم يصل إلى مستوى (الوضوح النظري) ، بل ظلّ يعتمد على الخبرة العملية، ويلجأ في المعالجات إلى القياس والتجربة والحيل.

وبمعنى آخر فإن النظرية الطبيّة الشاملة (التي تشير إلى أسباب المرض، وتفسّر أعراضه، وتسوّغ تأثير الأدوية في المرضى.. الخ) لم تكن قد ظهرت بعد.

ونحن نعرف أن الطبّ قد عانى تطوّرًا طويلًا قبل أن ينضج، ويصل إلى المستوى الذي يسمح بنشوء مثل هذه النظرية.

وفي الحقيقة فإن الفضل يعود إلى المفكرين الاغريق القدامى الذين حاولوا تفسير ظاهرات الكون والحياة ومنها: الصحة والمرض والموت، وبذلك أتيح للطبّ أن يستند إلى مبادئ فلسفية عامّة، تحاول أن تشرح ما يحدث في الطبيعة حول الإنسان، وما يصيبه في جسمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت