فهرس الكتاب

الصفحة 16173 من 23694

السعادة الحقيقية الباقية هي حياة العاقبة أي خلود النفس وهذا يتضح من حديث التوحيدي عن الغبطة، فالغبطة ليست في شهوة تنال أو نعمة تدرك، أو ليّن يلبس أو حلو يتطعم أو بارد يشرب يقول:"الغبطة... أنت منها في قطر شاسع لا يلوح لك ولا يتراءى لعينك؛ الغبطة في النجوة من هذه الدار التي قد ضَرِيَتْ على غَصْب الألباب من أربابها، ومرنت على تصديع الشمل بين ألاّفها وأحبابها، إلى محلٍ لا ألم فيه ولا أذى، ولا شوبَ ولا قذى، إلى محلٍ تجد فيه النعيم صافيًا، والحق باديًا، إلى محلٍ لا يعتريك فيه ملل ولا ينتابك فيه علل، حيث تنسى فيه الحزن حسًّا ورسمًا، حيث يحكّمك المولى فتتحكم، ويدنيك إلى حضرته فتنعم؛ حيث لا يلتهب لك في صدرك نفس، ولا يخمد بين يديك قبس." (48)

وسعادة النفس لا تكون إلا بتنقية البدن وتطهيره من الأدران، يقول التوحيدي"فاعلم أنك لا تصل إلى سعادة نفسك، وكمال حقيقتك، وتصفية ذاتك إلا بتنقيتها من درن بدنك، وصقالها من كدر جبلتك، وصرفها عن ظلمة هواك، وفطامها عن رضاع شهوتك، وحسمها عن الضراوة على سوء عادتك، وردّها عن سلوك الطريق إلى هلكتك وتلفك ونبوذك واضحملالك." (49)

فشرط السعادة تنقية النفس من علائق الجسد الذي يسعى بدوره إلى تحقيق اللذة، بينما النفس تسعى إلى تحقيق السعادة، لذلك السعادة دائمة لأنها ترتبط بالنفس والنفس خالدة، أما اللذة فآنية لأنها ترتبط بالجسد والجسد فإن، يقول التوحيدي:"هذا باق وذاك فان" (50)

فالنفس مؤهلة للسعادة والخلود يقول التوحيدي:"من رفع عصاه عن نفسه، وألقى حبله على غاربه، وشتّت هواه في مرعاه، ولم يضبط نفسه عما تدعو إليه بطبعه، وكان ليّن العريكة لاتباع الشهوات الردية، فقد خرج عن أفقه، وصار أرذل من البهيمة، بسوء إيثاره" (51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت