فهرس الكتاب

الصفحة 16318 من 23694

ستة عقود ونيف مضت علي وأنا أتحمس للتخلص من الازدواجية اللغوية بالفصيحة لغة العلم؛ وأناضل ما وسعني النضال في التعليم والكتابة والتصحيح والتدقيق اللغوي للكتب المدرسية والمطبوعات الأخرى من أجل وضع الفصاح في موضعها العملي الصحيح من مسار الحياة؛ حتى لا تكون الفصيحة لغة الكتابة فقط... وحتى أزيح وأبعد عن الألسنة والأفهام عاميات الجهل ولهجات التفرقة والتباعد والإغراق في إهمال الصحة والضبط والتدقيق.

وضحيت وبذلت من أجل العربية الموحدة وُسْعي.. وكان المعجم العربي التليد صاحبي وأليفي وموطن إدماني الذي قادني إلى اكتشاف فصاح العوام؛ وهي الفصاح التي أشعرتني أنها -على كثرة ما كتب عنها قديمًا وحديثًا- بقيت منبوذة مهجورة من الفصحاء والكتّاب والمربين وكتّاب الحواريات القصصية والمسرحية؛ مع أن فصاح العامية يمكن أن تكون أهم ما في فصيح لغتنا لأنها أثبتت وتثبت أنها الأقوى على الحياة والأقدر على البقاء على الألسنة وفي الأفهام؛ فليست تحتاج إلى إحياء، وإنما تحتاج فقط إلى الدفاع عنها من أنصار الجهالة العصبية، ومن المتظاهرين باحتقار كل ما هو شعبي وحيوي... ففصاح العوام هي أساس اللغة الوسطى المنشودة، وهي جديرة باكتشافها وترويجها وإنقاذها من هذه الازدواجية اللغوية التي أصابتنا في ألسنتنا وعقولنا فجعلت بعض أطفالنا يعجزون عن فهم لغة العلم لأن سن ما قبل السادسة هي السن المناسبة لتعلّم اللغة واكتسابها بالفطرة والموهبة الغريزية التي سوف تحل محلها القدرة على بذل الجهد للتحصيل الدراسي بعد سن السادسة حينما تضمر وتنتهي الغريزة اللغوية الفطرية كما ثبت للعلماء من المربين اللغويين (3) . ولذا دعوت وعملت طويلًا في تفصيح ألسنة المربيات في دور الحضانة ورياض الأطفال. وعملت أيضًا على إنصاف هذه الفصاح المظلومة؛ ضحية التنافس الحماسي أو التظاهر بالانحياز إلى الفصحى في معاركها الوهمية مع أقزام العاميات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت