إن المعري وهو الذي دفع بابن القارح إلى الجنة وتكلم بلسانه، كي ينطقه بما يريد، وكي يرى بعيني ابن القارح مايريد أن يراه هو نفسه بعينيه.
وهذا الاختيار لابن القارح بطلًا، أعطاه قدرًا كبيرًا من الحرية في الحركة والتعبير، كما منحه الموضوعية.
وهذا الاختيار يدلّ في الحقيقة على موهبة فذة، وتمكن من فن السرد، وتحريك الشخصية، وبناء الحوادث، وإدارة الحوار.
-خاتمة -
إن للمعري فلسفته في المكان، فقد أدرك أنه ضيق محدود، لذلك ارتضى منه في الدنيا غرفته الضيقة، فحبس نفسه فيها، كما أدرك، بالمقابل، أن الزمان واسع فسيح، فانطلق في رحابه، يجتني العلوم والمعارف والآداب.
يقول المعري في حدّ الزمان: (الزمان شيء أقلّ جزء منه يشتمل على جميع المدركات، وهو في ذلك ضد المكان، لأن أقلّ جزء منه لايمكن أن يشتمل على شيء، كما تشتمل عليه الظروف) (ص426) .
ومن هنا كانت رحلته إلى الجنة والنار، وهي في الحقيقة رحلة في الزمان، وليست رحلة في المكان. وهكذا يتلوّن المكان، ولاسيما الجنة، بثقافة المعري، ونفسيته، ومزاجه، ويصبح مجالًا يتسع لثقافته اللغوية والشعرية والفلسفية، كما يصبح ميدانًا لتحقيق ذاته. ولقد عبّر المعري منذ مفتتح الرسالة عن شيء من ذلك حين قال في مستهلها:
(قد علم الجَبْرُ الذي نسب إليه جبرئيل، وهو في كل الخيرات سبيل، أن في مسكني حَمَاطة، ماكانت قطّ أفانِيَة، ولا الناكِزَة [الأفعى] بها غانية، تُثمر من مودة مولاي الشيح الجليل -كَبَتَ اللّه عدوّه، وأدام رواحه في الفضل وغدوّه- مالو حملته العالية من الشجر، لدنت إلى الأرض غصونُها، وأُذِيل من تلك الثمرة مصونها) (ص129-130) .