فهرس الكتاب

الصفحة 16452 من 23694

فهو يستهل رسالته بالإيمان المطلق بأن اللّه عالم بحاله، التي يصفها بالضعف، ثم ينطلق من مسكنه الضيق المحدود، ليؤكد أن فيه حبة قلبه وهي الحَمَاطة، ويشبهها بالأفانيَة، وهي شجرة الحَماط، ويذكر أن هذه الشجرة ليست مثمرة ولا مفيدة، ولكنها من مودة الشيخ الجليل ابن القارح تثمر مايثقل الأغصان.

وهو بهذا الاستهلال البارع يعبر عن إيمانه باللّه، وإدراكه حبسه الذي يعيشه في منزله، ويشير إلى نفسه المتواضعة التي يمكن أن تثمر وتعطي من خلال التواصل الفكري مع الآخر.

ويلاحظ مافي هذا الاستهلال من إشارة إلى مكان ضيق محدود هو المسكن، وهو المكان الأليف، الذي يطمئن إليه الإنسان ويجد فيه الراحة والأمن والطمأنينة، هو منزل الطفولة، ويلاحظ أيضًا انطلاق المعري من المتناهي في الصغر، وهو بيته ونفسه المحدودة الضيقة، إلى المتناهي في الكبر، وهو الجنة.

وهذا الاستهلال البارع سيرشح من خلاله المعري للانتقال إلى الجنة، إذ سيذكر بعد قليل رسالة ابن القارح ويشيد بما زخرت به من علم وماتتصف به من جمال، فيقول:

(وفي قدرة ربنا -جلّت عظمته- أن يجعل كل حرف منها شبح نور، لايمتزج بمقال الزّور، يستغفِر لمن أنشأها إلى يوم الدين، ويذكره ذكر محبّ خدين. ولعله -سبحانه- قد نصَبَ لسطورها المنجية من اللهب، معارج من الفضة أو الذهب، تعرجْ بها الملائكة من الأرض الراكدة إلى السماء، وتكشف سجوف الظلماء، بدليل الآية:(إليه يصعد الكَلِمُ الطيّبُ والعملُ الصالحُ يرفعُه) وهذه الكلمة الطيبة كأنها المعنية بقوله: (ألم ترَ كيفَ ضربَ اللّه مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء، تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربّها) . وفي تلك السطور كِلِمٌ كثير، كله عند الباري تقدّس أثير، فقدْ غُرسَ لمولاي الشيخ الجليل -إن شاء اللّه- بذلك الثناء، شجر في الجنة لذيذ اجتناء، كل شجرة منه تأخذ مابين المشرق إلى المغرب بظل غاط [ممتد] ) (ص140) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت