وهكذا فالمعري يثني على رسالة ابن القارح، ويُشيد بما حوته من علم، ويؤكد أن اللّه قد جعل له بسطورها نجاة من النار، ومعارج إلى الجنان، بل يؤكد أن اللّه تعالى قد غرس له بفضلها شجرًا في الجنة.
ثم يمضي المعري فيصف شجر الجنة، ويسترسل في وصفه، ويجعل ابن القارح يسير في ظلال ذلك الشجر، منتقلًا بذلك إلى الجنة، انتقالًا فنيًا، لاتكلف فيه، ولا افتعال.
وهكذا، فإن الدخول إلى الجنة كان بفضل الكلمة، إذ يغرس اللّه لمنشئها شجرًا في الجنة، وبذلك فالكلمة هي رديف الشجرة، والشجرة في الجنة، وهي رمز المعرفة. وإذا دل هذا على شيء، فإنه يدل على أن الإنسان يرقى، وينال رضا اللّه، ويدخل الجنة، بفضل الكلمة، رمز المعرفة.
ويلاحظ أن الشجرة كانت محرمة على آدم، وبسبب تناوله من ثمرها هبط من الفردوس، ولكنه ههنا يعود إلى الجنة، ليستظل بظلها، ويطعم من ثمرها، بفضل الكلمة.
فالكلمة إذن هي الخلاص، ويؤكد ذلك قوله تعالى في آدم: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم) [البقرة] (37) .
وهكذا ينطلق المعري من ضيق المكان إلى رحابة الزمان، ليؤكد انتصار الكلمة، رمز الثقافة والمعرفة والفكر، وليدخل بوساطتها إلى الجنة، ليجوب رحابًا أغنى من الدنيا وأوسع، وأجمل منها وأبقى.
تلك هي رحلة المعري في رسالة الغفران، هي رحلة للإنسان في فضاء المعرفة والسعادة، لتأكيد ذات الإنسان.