فهرس الكتاب

الصفحة 16512 من 23694

طبيعة الشعر تجعله أكثر اهتمامًا بالصورة والتصوير من الخطابة، أو من النثر عمومًا؛ فالشعر تركيب والخطابة ليست كذلك، غير أن هذا لايجعلها بغنى تام عن التصوير، والخطيب الجيد عندما يدبّج خطبة ليس بوسعه أن يستغني عن الصورة تمامًا إذا أراد لخطبته التأثير العميق والدقيق في مستمعيه. والواقع أن"العقل لايستغني عن الصور تمامًا، وأنه حين يحلّق في اللامادي إنما يعلو على أجنحة من الصور" (6) .

صحيح أن الإقناع هو الغاية الأولى للخطابة، غير أن لفظة"الإقناع"جافّة وصارمة، وهي توحي بأن هذا الفن يعتمد على عنصر الاستدلال والمحاكمة العقلية وحسب، وبعبارة أخرى توحي بأنه يعتمد على ألفاظ اللغة بحسب دلالاتها اللغوية المعروفة، بعيدًا عن عنصر التخييل.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن الإقناع في الأقاويل الخطابية لايراد به إحداث اليقين، وإنما يراد به تقوية الظن (7) . والخطيب يتعامل مع جمهور، وهو عندما يريد أن يقنع هذا الجمهور بما تتضمنه خطبته من أفكار لايعتمد على العقل والحجج المنطقية وحسب، لأن الخطبة ليس برهانًا أو جدلًا، وإنما يعتمد على عواطف الناس أيضًا، وهو يدرك أن العاطفة تتحكم بالجمهور المتلقي أكثر مما يتحكم العقل، وليس بوسعه دومًا -أعني الجمهور المتلقي- أن يعالج أفكار الخطبة معالجة منطقية تقوم على محاكمة الأدلة والبحث في جوانبها ووجوهها جميعًا، ومن ثم الأخذ بها أو طرحها. وفي الخطابة الإسلامية، ولاسيما السياسية، دليل واضح على ذلك كله، ومن هنا كان الخطباء يهتمون بلغة الخطبة، وبنائها، وإيقاعها، فلهذه الأمور أثرها الكبير في استمالة الناس والتأثير فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت