وبسبب هذا الدور الذي يؤديه التشبيه في الإيضاح (15) فإنه يعتبر (أوضح الأنواع البلاغية ارتباطًا بفن الوصف) (16) ، فهو يرسم المعاني رسمًا، ويعمل على تمثيلها سعيًا وراء التعريف والتأثير. غير أن التشبيه الواضح المبتذل ليس له أهمية تذكر لأنه لايتيح جوًّا من الانفعال.
والتشبيه كثير في كلام العرب، ولذلك كان من الطبيعي أن يعوّل عليه الخطباء في بناء صورهم، وأن يستفيدوا من مميزاته في التأثير والإقناع، فهو"نافع في الكلام الخطابي منفعة الاستعارة، وذلك إذا وقع معتدلًا" (17) .
ومن التشبيه قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم:"والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده" (18) . فهو صلى اللّه عليه وسلم يصور المعنوي المجرد من خلال المحسوس، يصور منزلة المؤمن من أخيه المؤمن، وقربه إليه، وارتباطه به. فالعلاقة بينهما كعلاقة الرأس بالجسد. ووجه الشبه الذي جاء للتوضيح لايكفي لفهم الصورة، أو لإدراك العلاقة بين الرأس والجسد، والتي تمثل العلاقة بين المؤمن والمؤمن، فقد تشتكي اليد أو الرجل أوالعين، ويتداعى إليها الجسد، فالعلاقة أكبر من التضامن عند الشكوى، إنها علاقة ارتباط شديد بين طرفين لايقوم أحدهما دون الآخر. ثم إن الرأس هو قائد الجسد. هكذا يجب أن تكون العلاقة بين المؤمن وأخيه المؤمن؛ على درجة قوية من الاتصال والتعاضد والمساندة والمشاركة في الآلام والآمال، وفوق ذلك التواضع والطاعة.