وقبل أن نتحدث عن الصورة في خطابة صدر الإسلام لابد من الإشارة إلى أنّ هناك تعريفات كثيرة للصورة الفنية تختلف باختلاف مناهج أصحابها في الدراسة واختلاف فهمهم للأدب ومهمته، وللصورة ومعناها. وتلك التعريفات، على الرغم من أهميتها، تظل قابلة للمناقشة وإعادة النظر، فكل منها صحيح ودقيق بالنسبة إلى منهج صاحبه وغير دقيق بالنسبة إلى منهج الآخرين، وليس غرضنا هنا أن نناقش تلك التعريفات، ولا أن نضيف إليها تعريفًا جديدًا، وإنما أردنا أن نشير إلى اتساع مفهوم الصورة، وإلى أننا، لهذا السبب، لم نتقيد بتعريف واحد في هذه الدراسة، بل أفدنا من كل مامن شأنه أن يساهم في جعل هذه الدراسة قادرة على أن تؤتي أُكلها.
وليس في الخطابة الإسلامية لوحات فنية واسعة، أو موضوعات كبرى تنضوي تحتها الصور الفنية، وإنما هي صور جزئية متفرقة، تقوم في كثير من الأحيان على التشبيه وحده أوعلى الاستعارة وحدها، ولذلك فإن خير طريقة -في رأينا- لدراسة الأسلوب البلاغي في التصوير، عند خطبائنا تكون بدراسة المكونات الأساسية للصور البلاغية عندهم، وهذا المنهج يتيح لنا أن نطلع على مدى اهتمامهم بالتشبيه والاستعارة والكناية في التعبير.
1-الأسلوب البلاغي للتصوير
-مكونات الصورة البلاغية:
أ-التشبيه: يتمتع الأديب المبدع بقوة الإدراك التي تمكنه من اكتشاف العلاقات بين الأشياء المتباعدة، فيتوسل بهذا الاكتشاف لبناء صوره الفنية، وكثيرًا مايعوّل على التشبيه لإظهار العلاقة الجديدة بين طرفين يشتركان في بعض الأمور التي قد تكون ظاهرة فيسهل إدراكها، وقد تكون غير ظاهرة فتحتاج إلى تأمل وتأنٍ. ويشير عبد القاهر الجرجاني إلى أن أجود التشبيه ماكان بين الأشياء المتباعدة التي لايلاحظ المرء أوجه اتفاقها. ويعلل ذلك بأن هذا النوع من التشبيه أكثر تأثيرًا في النفوس لأنه يمنحها المتعة بلذة الاكتشاف الجديد، فنحن نرى به"الشيئين مثلين متباينين ومؤتلفين مختلفين" (14) .