فهرس الكتاب
وفي كثير من الأحيان كانت الكناية والاستعارة، أيضًا، تساهمان في بناء الصورة التشبيهية وإعطائها أبعادها، ولم يكن التشبيه وحده هو الذي يقوم بهذه المهمة، ولذلك كان من الممكن أن تقرأ الصورة أكثر من مرّة، وأن نقرأ فيها أكثر من معنى.
كذلك كانت الصورة، في بعض الأحيان، تستمد بعض عناصرها من الخبرة الاجتماعية العامة، وهي عندئذ تحسن الإفادة من هذه الخبرة. والصورة القائمة على التشبيه التمثيلي تميل، في الغالب، إلى الاهتمام بجزئيات المشبه به، أما الطرف الأول فيذكر بالجملة.
بقيت ملاحظة أخيرة قد تستحق الوقوف، وهي أن التشبيه كان، في أكثر الأحيان يأتي مجملًا أو بليغًا، ولاريب أن هذا النوع من التشبيه أقدر على التأثير وإغناء المعنى من التشبيه التام، لأنه يعمل على تحريك عواطف المتلقي وخياله.
ويمكن أن نقول بإيجاز: لقد جاءت الصورة التشبيهية واقعية مصوغة بطريقة فنية، تتميز بجزالة التعبير وصدق الأداء، ولم تكن من قبيل الزينة، ولذلك جاءت بعيدة عن التكلف والصنعة.
ب- الاستعارة:
تشكل الاستعارة عنصرًا بالغ الأهمية من عناصر بناء الصورة الفنية، وهي خطوة متطورة فنيًا على التشبيه، ولذلك فإنها تتمتع بقدرة أكبر على التعبير وعلى إغناء المعنى لما لها من دور في التأثير والتخييل. وقد اهتم بها البلاغيون اهتمامًا بالغًا وأشادوا بدورها ومزاياها، وعبد القاهر يتحدث عن محاسنها بصفحة كاملة تقريبًا في كتابه أسرار البلاغة، ويرى من مناقبها"أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ" (30) .