أما أدوات التشبيه فقد استعملها الخطباء كلها، اسمًا وفعلًا وحرفًا، وحذفت أحيانًا فكان لحذفها دوره في التأكيد والإثبات. وتوسلوا بتشبيه المحسوس بالمحسوس، والمعقول بالمحسوس. أما تشبيه المحسوس بالمعقول فلا نكاد نجد له أثرًا. وهذا في الخطابة أمر طبيعي، بحكم وظيفتها أو مهمتها. فالعقل مستفاد من الحسّ، ورسم الفكرة المجردة بصورة محسوسة، يدرك الجميع مكوناتها، يجعلها أقرب إلى الفهم، أو إلى أذهان الجمهور مهما اختلفت مستويات مداركهم. والشيء المحسوس أقرب إلى العقل وأثبت عنده من المجرد، ولذلك أشار البلاغيون القدماء إلى أن التشبيه، لكي يقوم بمهمته في الإيضاح، يجب أن يقوم على إخراج النفوس"من خَفِيّ إلى جَلي"على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني (27) . أما تشبيه المحسوس بالمعنوي، أو إخراج النفوس من الجلي إلى الخفي، فلم يقبله البلاغيون، وأشاروا إلى قبح التشبيه حين يخرج الظاهر إلى الخافي، والمكشوف إلى المستور (28) ، لأنه عندئذ سيقوم بعكس المهمة المنوطة به.
ولم يكن الهدف من التشبيه إظهار المقدرة الفنية أو الأدبية، ولم يسعَ الخطباء وراء ذلك، فجاءت التشبيهات جميعها قريبة ليس فيها من الغرابة شيء، ولم تكن من التشبيهات البعيدة أو النادرة، وهذا لايعني أنهم توسلوا بالقريب المبتذل، وإنما يعني أن الجانب الفني لم يطغَ على الجانب الفكري عندهم.
أما عناصر الصورة الحسيّة فقد تركزت من معطيات البيئة ومن موجوداتها، ولاسيما الحيوانات كالإبل والغنم والماعز والضبع وغيرها، ولم تكن هذه الحيوانات رموزًا للتقبيح من حيث أشكالها، وإنما من حيث طبائعها. وفي بعض الأحيان نرى الخطباء يفيدون من ثقافتهم حول هذه الطباع في بناء الصورة (29) .
ونلاحظ أيضًا في الصور التشبيهية أن الحركة تطغى على الصورة، وكان للصوت دوره أحيانًا، وكذلك كان للشكل دوره، أما اللون فلا نكاد نجد له أهمية تذكر.