وهذه الصورة ممتلئة بالحركة، وهي لاتقتصر على التعبير عن الحركة الخارجية المتمثلة بالركض أو غيره، وإنما ترسم أيضًا الحركة الداخلية للنفس، فهو يعطفهم على الحق، وهذا يعني أنهم يتجهون إلى الباطل. وفي هذا العطف نوع من القسر، فهو يشير إلى عدم الرغبة في تغيير الاتجاه، أي عدم الرغبة في اتباع الحق. وهذا الموقف يعبر عنه الخطيب بنفور المعزى من وعوعة الأسد، وما يحمله هذا النفور من تعبير عن حالة الخوف الشديد، ومحاولة الابتعاد عن أسبابه أو مصدره بأقصى سرعة، وإلى أبعد مكان. فالمعزى التي سمعت صوت الأسد، وأحست بقربه، ينتابها الهلع، وتعدو مسرعة على غير هدى، إلى مكان تشعر فيه بالأمان. والماعز حيوان معروف بالرغبة في التفرق، وعدم الانضباط في القطيع، حتى في الحالة العادية. كما أنه مشهور بقدرته على تسلّق الأمكنة الصعبة والوعرة من المرعى. كل هذه الخصائص يجب الإفادة منها في فهم الصورة. ولابأس هنا من الإشارة إلى مساهمة الألفاظ في بناء هذه الصورة ولاسيما قوله"أظأركم"و"وعوعة"إذ نلاحظ انسجام إيقاع اللفظة الأولى الثقيل، بسبب وقوع الظاء بين همزتين، مع فعل العطف المصحوب بالمقاومة والرفض. وانسجام إيقاع اللفظة الأخرى، التي يتكرر فيها حرفا"الواو"و"العين"، مع امتداد حركة الصوت وتكراره.
ويلاحظ أن عناصر تكوين الصورة القائمة على التشبيه في خطابة صدر الإسلام انتزعت من الطبيعة المحسوسة، وكانت بيئة الخطباء، بكل مافيها، هي النبع الذي يستقون منه تشبيهاتهم.
وقد شملت الصورة أنواع التشبيه المختلفة، حتى التشبيه الضمني، وإن كان وجوده نادرًا، كقول علي رضي الله عنه:"من عرف من أخيه وثيقة دين، وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال، أما إنه قد يرمي الرامي وتخطئ السهام" (26) . وفي هذا النوع لايصرح بأركان التشبيه على الطريقة المألوفة، وإنما يستنتجه العقل من سياق الكلام.