تاقت نفس الشاب إلى الرحلة سعيًا وراء التحصيل، وألحَّ على أوصيائه أن يأذنوا له بالسفر إلى نَيْسابور ليسمع"صحيح مسلم"من المتفرد به المعمَّر الثقة أبي الفضل الفراوي الذي طال عمره، وأصبح يتوقع كل يوم موته، وإذا مات ولم يسمع منه أبو سعد كانت حسرة في قلبه لا تندمل، فلم يأذنوا له حتى جاوز عمره الثانية والعشرين من السنين، ولم يسمحوا له بالسفر وحده بل سافر معه أحد عمَّيه.
وبعد أن أتم أبو سعد سماع"صحيح مسلم"في نيسابور انتقل منها إلى غيرها بحيث طوَّف في أكثر مراكز العلم في الدنيا عدة سنوات، وعمَّت رحلته بلاد خراسان وأصبهان وما وراء النهر والعراق والحجاز والشام وطبرستان، ثم عاد إلى وطنه مرو سنة سبع وثلاثين أو ثمان وثلاثين وخمسمئة، وكان ذلك كله قبل زواجه.
ثم بعد أن تزوج ورُزق بأبي المظفر عبد الرحيم رحل به إلى نَيْسابور ونواحيها وبلخ وسَمرقند وبُخارى... ثم عاد إلى مسقط رأسه، وألقى عصا السفر والترحال بعدما شقَّ الأرض شقًا، وأقبل على التصنيف والإملاء والوعظ والتدريس (11) .
مؤلفاته وثناء العلماء عليه:
سرد ابن النَّجار -نقلًا عن السَّمعاني نفسه- أسماء تصانيفه التي تزيد على الخمسين ثم قال:"سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد، وكان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد، لطيف المزاج، ظريفًا، حافظًا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقًا، ديِّنًا. سمع منه مشايخه وأقرانه، وحدَّثنا عنه جماعة" (12) .
وقال فيه الذهبي:"الحافظ البارع العلاَّمة... وكان ذكيًّا فَهِمًا، سريع الكتابة مليحها. درَّس وأفتى، ووعظ وأملى، وكتب عمَّن دبَّ ودرج... وكان ثقة، حافظًا، حجَّة، واسع الرحلة، عدلًا، ديِّنًا، جميل السيرة، حسن الصحبة، كثير المحفوظ..." (13) .