فهرس الكتاب

الصفحة 16868 من 23694

وتظل ذكرى علوة نداء حانيًا ينبثق من خفقات قلبه ورعشات وجدانه، فيستحيل مع الأيام إلى قصائد شجية وأنغام عذبة، حفظت للغة العربية الشعرية أجل سماتها وأعظم خصائصها، ألا وهي الموسيقا التي أطربت الأسماع وهزت الأرواح على مر العصور، حتى وصف شعر البحتري بأنه سلاسل الذهب. ... وإلا خيالًا يوافي خيالا

ولقد تجسدت هذه الذكرى في كثير من قصائد البحتري في خيال طارق أو طيف زائر، يستحث قريحته على الإبداع، ويحفز شاعريته على الانطلاق، حتى ليخيل لمنعم النظر في شعره أنه لم يكن في غزله عاشقًا يجد في الشعر متنفسًا له عن مكنون ذاته ولواعج نفسه، بقدر ما كان شاعرًا يجد في المرأة مادة جمالية تحريضية يستلهم منها في كل قصيدة فيوض فنه وإبداعه، فإذا هي المرأة التي لم يتم تكوين روحها ولا بدنها بعد، وإنما هي كائن تجريدي يخرج من دائرة التخلق والثبوت إلى مدار التحول والتقلب، ويظل الشاعر يعيد تشكيله وتلوينه في كل حين، تبعًا لما يطرأ على النفس الشعرية من تشكيل وتلوين.

وكان من وراء ذلك أنه في غزله تجاوز الواقع المحسوس المجسد إلى حالة من الوهم والتخيل والتصور، وأصبح يرى في طيف المحبوبة عوالم متجددة تنتزعه من أسر التجربة الذاتية المحدودة بالعلاقات الإنسانية المعيشة إلى أفق التجربة الشعرية الخلاقة، ولهذا لم يكتف شاعرنا بذكر علوة وطروق خيالها، بل تعداها إلى زينب وأسماء وريا وأثيلة ونساء كثيرات، وإن كنت أزعم أن علوة حبيبته الأولى ظلت متخفية في كل واحدة منهن، ساكنة في كيانهن، متوغلة في وجودهن.

والطيف أو الخيال، أو طيف الخيال- على الإضافة البيانية- هو ما يراه النائم في الحلم من شخص المحبوبة، يتراءى له فيشرِّد وجوده المطمئن، ويمنع أجفانه من الرقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت