فهرس الكتاب

الصفحة 16867 من 23694

وحرقة والدموع تطفئها ... ثم يعود الجوى فيسعرها

يا علو علَّ الزمان يُعقبنا ... أيامَ وصل نظل نشكرها

بيضاء رود الشباب قد غمست ... في خجل ذائب يعصفرها

مجدولة هزها الصبا فشفى ... قلبك مسموعها ومنظرها

لقد كان البحتري لا يفتأ يمحض علوة الإخلاص والوفاء، ولا يرى في قلبه متسعًا لغيرها ولا مرتعًا لسواها، مهما حاولت الحسان الفاتنات أن يستدرجنه وأن ينبهن فيه حسه الجمالي، وهو الشاعر المرهف الذي لا تنفك المرأة بمحاسنها التي لا تتناهى تعمل على تجديد فكره وتوسيع خياله، فيقول [1] : ... وقارضنه الهجران والشيب واخطُهْ

وصلن الغواني حبله وهو ناشئ

وقد وردت أهواؤهن فؤاده ... ولا حب إلا حب علوة فارطُهْ

ومع ذلك فإن هذا الإخلاص في حب علوة لم يكن يمنع البحتري من الإقبال على النساء والكلف بهن في شتى حالات الوصل والهجران والإساءة والإحسان، لأنه كان يدرك أن المرأة سبيل إلى خلق الطبيعة السحرية في فضاء الشعر، فنراه يقول عن نفسه [2] : ... وصال الغواني وهجرانها

وكنتُ امرءًا لم أزل تابعًا

أحبُّ على كل ما حالة ... إساءة ليلى وإحسانها

ولكن علوة تظل المتفردة في امتلاك مشاعره والاستئثار بأحساسيسه، فها هو ذا ينظر إلى السحاب الذي تحدده رياح الشمال، ويحث خطاه في أرجاء السماء، فيتوجه الشاعر إليها بالخطاب لعله لينقل إلى علوة ما يتلهب في فؤاده من لوعة الوجد ومرارة الحرمان، فيقول [3] : ... وسرى بليل ركبه المتحمل

قل للسحاب إذا حدته الشمأل

عرِّج على حلب فحيِّ محلة ... مأنوسة فيها لعلوة منزل

أحنو عليك وفي فؤادي لوعة ... وأصدُّ عنك ووجه ودي مقبل

وإذا هممت بوصل غيرك ردَّني ... ولهٌ إليك وشافع لك أول

ويقف مرة أمام زهر أبيض، عكست عليه الشمس أشعتها الصفراء، وهزت غصنه يد الرياح، فيذكره ذلك المنظر بعلوة، فيقول [4] : ... لعلوة في جادّيها المتعصفر

إذا عطفته الريح قلتُ التفاتة

(1) - الديوان: 2/1230.

(2) - الديوان: 4/2175.

(3) - الديوان: 3/1599.

(4) - الديوان: 2/981.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت