فهرس الكتاب

الصفحة 16866 من 23694

ولكن هذا الأمر الواقع لم يزعزع مكانة علوة في نفسه، ولا نفى حبها من قلبه، فلما عزم على الرحيل من حلب سعيًا وراء الشهرة والمجد. وقف يصارع ذاته، ويغالب الحزن الذي يعتصر فؤاده ويقول [1] : ... تجانفتُ عن سعدى بها وسعاد

لعلوة في هذا الفؤاد محلة

وكيف رحيلي والفؤاد مخلَّف ... أسيرٌ لديها لا يفك يفادي

ويغادر شاعرنا حلب الشهباء، وتتفتح أمامه في بغداد أبواب الثراء ونباهة الذكر، حتى ليُظن أن بريق الذهب الذي كان يفيض من أيدي الممدوحين من خلفاء ووزراء وقواد سوف ينسيه حبه ويلهيه عن غرامه، لا سيما وقد التقى هناك في بغداد بمجموعة من النساء الحسان ما كان يكف نفسه عن التغزل بهن والتغني بجمالهن، إلا أن رسيسًا من حب علوة ظل الشاعر يغالبه ويداريه بين الحين والحين، فلا يفتأ يستقر في وجدانه ويتوطن في ذاكرته، فها هو ذا يمدح الفتح بن خاقان وزير المتوكل فيقول [2] : ... وعلوةَ خلتي وهوى فؤادي

جفوتُ الشام مرتبعي وأنسي

ومثل نداك أذهلني حبيبي ... وأكسبني سلوًا عن بلادي

ولا شك في أن البحتري بهذا القول كان يحاول أن يُدل على الفتح بن خاقان، أن يبين له مدى التضحية التي أقدم عليها في سبيل الوصول إليه وقبول عطاياه. ... ومن أهواه في أرض الشآم

ومثل هذا الموقف يتكرر مرة أخرى حينما وقف البحتري أمام الخليفة المعتز بالله، فأخذ يخاطبه بقوله [3] :

أأتخذ العراق هوى ودارًا

فلولا غرة الملك المرجَّى ... لآثرت المسير على المُقام

وأين يهرب الشاعر من علوة التي كلما ذكرها تمثلت أمام عينيه بصورتها الجسدية الفاتنة من بياض بشرة ونضارة شباب وحسن قوام، فلا يلبث أن يطيل في وصف حسرته وتسعر لوعته وامتداد سهره، وهو متمسك بخيوط واهية من الأمل في أن تتجدد أيام الهناءة وعهود الوصال، فيقول [4] : ... ولوعة في هواك أضمرها

كم ليلة فيك بتُّ أسهرها

(1) - الديوان: 1/561.

(2) - الديوان: 4/2325.

(3) - الديوان: 3/1933.

(4) - الديوان: 2/1074.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت